آخر الأخبار
The news is by your side.

تأملات قرآنية … بقلم: د. هاشم غرايبه

تأملات قرآنية … بقلم: هاشم غرايبه

 

 

يقول تعالى في الآية 83 من سورة آل عمران: “أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ”.

في هذه الآية، وفي كل موضع آخر لم يرد الدين إلا بصيغة المفرد، لم يرد في أية مرة بصيغة (الأديان)، ومع ذلك لا يزال كثيرون يرددون عبارة الأديان السماوية، جهلا أو إضلالاً.

لا يعني ذلك رفضا أو إنكارا للشرائع والرسالات التي سبقت الإسلام، فهي بلا شك من عند الله، لكن من يوحّد الله ويعتقد أنه متفرد بألوهية الكون، يعلم يقينا أنه لا يمكن أن ينزل أديانا متباينة على البشر بل دينا واحدا.

لذلك فأصل فكرة تعددية الأديان السماوية، مصدرها إما من يقولون بتعدد الآلهة، أو ترديدا لمقولة اليهود الذين ينكرون أن الدين هو ما أنزل بالتوراة، وكل ما بعدها مزور

قد يتساءل البعض مغرضا: لو كان الدين عند الله الإسلام، فلماذا عدد أتباع غيره أكثر؟.

التساؤل الإستنكاري في أول الآية التي ذكرنا، هو دليل على أن الله يعلم أن كثيرا من الناس سيتبعون غير دين الله، بسبب الميل لاتباع الهوى، والنزوع الى اتباع الأسهل والأقل تكليفا.

سكان العالم حاليا يتجاوز 7 مليار نسمه، يتوزعون حسب الديانة وفق آخر احصاء(2010 ) كما يلي: المسيحية 31.50% ، الإسلام 23.20% ، الهندوسية13.8 %، البوذية 6.77 %، السيخ 0.35 % ، اليهودية 0.22 % ، ديانات اخرى 10.95%، غير متدينين 9.66% وملحدين 2.01%.

النسب المئوية المذكورة، لا تمثل القناعات الفكرية الحرة للإنسان، فهي تأتي في الأغلب ولاديا، أي يتبع الفرد الدين الذي ولد عليه إلا في حالات ضئيلة، عندما تتهيأ ظروف تتيح للإنسان التفكير الحر والمناقشة الموضوعية بدون ضغوط اجتماعية أو سياسية، عندها يتحول الى الدين..دين الله، لكن لا يمكن للتفكير الحر أن يعيد المؤمن الى الإلحاد أو الى الى عقيدة زائغة عن الإسلام، لأن منهج العقل الارتقاء الفكري وليس العودة الى الوراء.

العائق الأساسي أمام هذا التحول أمران:

الأول أن المرء يميل الى الأسهل والأقل تكليفا، فالبوذية أو الهندوسية مثلا ليست دينا حقيقيا بل فلسفات تأملية لا يتطلب اتباعها التزامات تتطلب جهدا (العبادات) أوتكلف مالا (الزكاة والجهاد بالمال)، ولا تفرض التضحية بالنفس والجهد (الجهاد والدعوة).

الثاني: أن هذا التحول يفترض تغيير الولاءات، لذا يعد بمثابة الخيانة، فمن يقدم عليه يتعرض لمخاطر قد تكلفه حياته أو علاقاته الإجتماعية، فقد ذكر الفيلسوف البريطاني الملحد (برتراند رسل)، أنه كان لا يطيق رؤية خاله كونه دخل الإسلام، مع أنه كان يحبه قبل ذلك، إن كان هذا تصرف شخص مثقف يدعي العلمانية فكيف بالعامة!؟.

عودة الى الآية الكريمة، فقد ذكر الله تعالى بداية الدين بالإفراد وليس بالتعدد، لكنه أزال التنكير بالإضافة، فكان التعريف بنسبته إلى ذاته العلية (دين الله)، ولم يقل (أديان الله).

وحتى لا يدّعي أي كان أن ما يتبعه هو دين الله، فقال ” وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا”،

فلم يقل تعالى: (وبه آمن)، لأنه حتى الكافر والمشرك قد يؤمن بوجوده لكنه لا يتبع دينه، لكنه تعالى ذكر (له أسلم) لكي تؤدي معنى استسلم وخضع، وتشير في الوقت نفسه الى أن الدين هو الإسلام.

دائما يعبر الله عن الكون بعبارة السماوات والأرض، أما إسلامهم طوعا فكان إسلام ذرية آدم، وكان قبل خلقهم بشرا، عندما أخذ ميثاقهم: “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى” [الأعراف:172]، وأما إسلامهم كرها فذلك يوم القيامة حينما يقولون نادمين: “قالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ” [يس:52].

كل البشر سيسلمون له حينذاك، المؤمن والمشرك والكافر والمنافق، حينما يروا تحقق ما وعد به الله على لسان رسله، لكن إسلام من كانوا في الدنيا مكذّبين بالدين عندئذ لن ينفعهم، مثلما لم ينفع فرعون إيمانه لما رأى العذاب.

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.