آخر الأخبار
The news is by your side.

 تأملات قرآنية … بقلم: د. هاشم غرايبه

 تأملات قرآنية … بقلم: د. هاشم غرايبه

يقول تعالى في الآيتين 43 و 44 من سورة النجم: ” وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى . وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا”.

جاءت هاتان الآيتان في سياق تذكير المؤمنين ببعض أنعم الله التي لا يمكننا حصرها تفصيلا ولا عدّاً، لكن استعراضنا لها والتفكر فيها يمنحنا شيئا من الراحة والسكينة، لكثرة ما نعانيه في هذا الزمن من ظلم وتعسف الظالمين من أعداء الله، فنحمده تعالى على ما خصنا به من دون العالمين بأن أنزل علينا قرآنا نقرؤه بلغتنا، فنفهمه حق الفهم، من غير مترجم ولا مفسر، تم أتمّ علينا نعمته بالإيمان به، فارتفعنا بذلك قدرا.

إن التذكير ينفعنا في التنبه لكثير مما نحن عنه غافلون، فجميع المنعكسات اللاإرادية التي يقوم بها جسمنا مثل الضحك والبكاء والسعال والعطاس والفواق والنحنحة والتثاؤب ..الخ، لا نعيرها الانتباه، ونظنها لكونها تتم من غير تحكم منا بها، أنها أمور تلقائية لا أهمية لها، لكنها حقيقة احتاجت آليات عالية التعقيد والتنظيم، ولو تعطل أي منها ستتوقف حياة المرء أو تستمر بمعاناة شديدة.

فعلى سبيل المثال تمكن العلم من إجراء عملية استبدال رئة لكنها فشلت بسبب عدم القدرة على استعادة منعكس السعال، كما فشلت عملية ازالة جزء من البلعوم لأن آلية البلع تعطلت.

جميع تلك الإجراءات تقوم بها مراكز في الجهاز العصبي المركزي، لم يستطع العلم بعد فهم تفصيلاتها ناهيك عن التحكم بها، ومن ضمنها الضحك والبكاء، وهي ميزة للإنسان فلا يوجد مخلوق غيره يعبر عن مشاعره بالضحك أو البكاء، وباستثناءات بسيطة، فيقال أن القرد يمكنه الضحك لكن ليس البكاء، والجمل يبكي لكنه لا يضحك.

إن الضحك والبكاء لغة عالمية، إذ تتمان وفق صورة موحدة بين البشر على اختلاف لغاتهم وثقافاتهم، وهو احدى وسائل التواصل البشري على مدي التاريخ ، وأكثرها تعبيراً عن التعاطف والتفاهم المتبادل، لذا فهو آلية أساسية في بناء العلاقات الاجتماعية الإيجابية.

الضحك سمة أساسية للتفاعل الاجتماعي، وله تأثير إيجابي في تعزيز الروابط العاطفية، ولكن تفسير ذلك ليس معروفا بعد، ومركز الضحك بالمخ غير معلوم أو محدد، إلا أنه يعتمد التعبير عنه على مسارات عصبية متصلة بالدماغ المتوسط والخلفى تتواجد بالقرب من مراكز التنفس.

أظهرت العديد من الدراسات أن الضحك يحمى القلب، بسبب تخفيضه لمستوى التوتر النفسي والقلق اللذين يؤديان الى تأثيرات سلبية على بطانة الأوعية الدموية مما يراكم الكوليسترول عليها (تصلب الشرايين) وتضيقها.

إذاً فالضحك يقلل من معدلات ضغط الدم، ويرفع من معدلات الأكسجين، ويساعد على التئام الجروح بشكل أسرع، كما أنه يحفز كريات الدم البيضاء على انتاج خلايا المناعة التائية والبائية.

والبكاء هو رد فعل طبيعي للحزن أو للألم، وأحيانا للفرح، وقد أثبتت الأبحاث أنه يساعد الجسم على الإسترخاء لتخفيف أضرار التوتر الشديد أثناء الحزن أو الألم، وأن الدموع المصاحبة للبكاء تحتوي على نسبة عالية من هرمون “بروكلاكتين” والمنغنيز والذين لهما تأثير مهديء.

هكذا نرى أن الخالق الذي أضحك وأبكى، هو الذي أنشأ هاتين الآليتين وبهذا الشكل المبهر للعقل، فلم تُعرف الحكمة من وجودهما وغيرهما، إلا بعد عصور تطورت فيها قدراته وتقدم في العلم، لكي يجد الممارون المكذبون بالقرآن في كل عصر ما يبهرهم، ويدركوا أن هذا القرآن معجزة دائمة، تفسر أولا بأول آيات الله الكونية والتكوينية، وأن القرآن هو المعجزة الإلهية الباقية أبد الدهر، هادية ومعلمة لكل البشر والى يوم الدين، وبديلا دائما عن الآيات المعجزة المؤقتة التي رافقت رسالات الأنبياء السابقين، فنسخها الله لأنها أبهرت من عاصروها في زمنها وانقضت، ولذلك قال تعالى: “مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ” [البقرة:106].

أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.