آخر الأخبار
The news is by your side.

احداث الفشقة تقاطعات الجريمة السياسة 

احداث الفشقة تقاطعات الجريمة السياسة
كتب: الفاتح داؤد

تشهد قري الشريط الحدودي المتاخمة للاقاليم الإثيوبية، حالة من الاستنفار الشعبي والرسمي،وذلك على خلفية الجريمة المروعة، التي ارتكبتها اثيوبيا،و أودت بحياة ثمانية من جنود القوات المسلحة.

وقد مثل الحدث الاليم نقطة تحول استراتيجية، في مسار التعاطي مع ملف الشريط الحدودي ، الذي ظل يشكل أحد اهم اجندة التفاوض بين البلدين لأكثر من عقدين،اتسمت فيهما مواقف الحكومة الإثيوبية المتحالفة مع رجال المليشيات بالتسويف والمراوغة،فيما كانت تنخرط في تبني سياسة استيطانية ممنهجة داخل الأراضي السودانية، انفقت لانجازها أموال طائلة،في في محور البني التحتية من طرق ومراكز صحية، ومدارس وكنائس،حتي تتمكن من اكمال عملية التغيير الديمغرافي في عمق الأراضي السودانية ، لتكريس سياسية الأمر الواقع عند الشروع في ترسيم الحدود بين البلدين .

ولعل حادثة الاعتداء الآثم علي الجيش السوداني في الفشقة ،قد مثلت صدمة كبيرة للرأي العام السوداني ، الذي طالب الجيش بالحسم ورد الاعتبار للكبرياء الوطنية الجريحة،مما دفع القيادة السودانية، الي ارسال ارتال من التعزيزات العسكرية الي الشريط الحدودي،حيث دخلت في معارك ضارية مع المليشيات والجيش الاثيوبي ، أسفرت عن تدمير عدد من المعسكرات و تحرير مساحات شاسعة من الاراضي المغتصبة، في الفشقة الكبري والصغري حتي نقاط الحدود الدولية .

وربط خبراء ظاهرة تنامي المليشيات المسلحة في دولة إثيوبيا، الي طبيعة النظام الفيدرالي الاثيوبي الذي منح الأقاليم، سلطة تكوين قوات فيدرالية اثنية محدودة الصلاحيات، لحفظ الامن داخل الأقاليم .ولكن مع تطور الأوضاع السياسية و الاقتصادية في الداخل الاثيوبي ، دخلت هذه المليشيات في تحالفات اقتصادية واسعة مع رجال المال وزعماء العصابات،مما ادي الي تمدد واتساع نطاق نشاطها و أطماعها الي عمق الأراضي الزراعية السودانية في الفشقة ، مستغلة في ذلك حالة السيولة الامنية والفراغ الاداري ، نتيجةغياب مظاهر الدولة بالحدود،فضلا عن انشغال الجيش السوداني في العقدين الآخرين ، بالقتال في عدد من الجبهات المفتوحة،اضافة الي عن عدم رغبة النظام السابق في خسارة التحالف الاستراتيجي مع نظام ملس زيناوي، لذالك عمد الي تأجيل ملف ترسيم الحدود.

وقد استغلت المليشيات هذه الاوضاع في زيادة، وتيرة الهجمات والاعتداءات علي المواطنين العزل و المزارعيين من أصحاب المشاريع الزراعية ،بصورة راتبة تزداد وتيرة نشاطها، مع بداية فصل الخريف وفي ذروة موسم الحصاد، حيث تزداد عمليات الخطف والقتل ونهب قطعان الماشية والمحاصيل و البضائع الزراعية التي يتم ترحليها الي البلدات الإثيوبية، بعلم السلطات السياسية ومباركة الجيش الفدرالي،وقد نجحت المليشيات في زراعة الفوضي وإشاعة حالة من الرعب ،الذي أجبر الآلاف من المواطنيين من هجر قراهم و ترك مشاريعهم الزراعية ،وقد مكن الوضع لهذه المليشيات من فرض سلطتها و الاستيلاء علي اكثر من مليون فدان زراعي، تعد من أخصب الأراضي الزراعية بالبلاد.

ورغم جولات التفاوض المتعددة ،و ماترتب عليها من تفاهمات بين اللجان الفنية والأمنية المشتركة بين البلدين، إلا أن الجانب الاثيوبي ظل يتنصل من الالتزامات السياسية و القانونية ، رغم أن هذه الالتزامات لم تتجاوز اجراءت ضبط الحدود، وتأسيس حالة امن واستقرار تساعد البلدين، علي معالجة المسائل العالقة التي وصلت نهايتها في ترسيم الحدود، الا ان المفاوض الإثيوبي كان يتعذر دوما بعدم التفويض في الموضوع الا بعد الرجوع الي اديس ابابا.

وحتي الجرائم العابرة للحدود التي توصل الطرفان الي تفاهمات بشأنها ،مثل ضبط الحدود عبر آلية تفعيل الاطواف الأمنية المشتركة لحفظ الأمن، والقضاء علي الظواهر السالبة ،لم يلتزم الجانب الاثيوبي بمخرجات هذه الاتفاقيات ،فضلا عن عدم رغبة أديس أبابا في تبادل المضبوطات، ومحاربة الجماعات الخارجة عن القانون، و توقيع الأحكام الرادعة علي الذين يتم القبض عليهم بعد تسليم ، ولم تكتفي بذلك بل لجأت المليشيات الي تنفيذ جرائم جديدة ،وهي اختطاف المواطنين من القري الحدودية،مقابل فدية مالية نظير إطلاق سراحهم ،رغم علم الاستخبارات الإثيوبية بالعصابات واسماء المجرمين ومناطق نفوذهم ، ولكنها ظلت تغض الطرف عن جرائهم لأسباب سياسية بحتة .
لان هذه المليشيات يديرها رجال عصابات محترفون مثل ( هالكا عصار) ،عاي صلة بالقيادات السياسية ،دورهم ينحصر في تجنيد الشباب الاثيوبيين العاطلين عن العمل،ودفعهم الي تنفيذ عمليات الخطف والنهب والسرقة في القري الحدودية لارغام المواطنين علي هجر قراهم ،وبالتالي توفير فرص عمل الإثيوبين في الأراضي الزراعية السودانية ،خاصة المليشيات المعروفة(بالكبلي )وهي المليشيات المنوط بها حماية القرى الحدودية من العصابات الداخلية، وقطاع الطرق من الآثيوبيين ،الا انها استغلت هذه الصلاحيات في التوغل الي عمق الأراضي السودانية، في خطف السكان مقابل فدية ، ورصد حركة القطيع لنهب الرعاة والسيارات التي تحمل البضائع بقوة السلاح والدخول بها الي العمق الاثيوبي، وعادة تنشط هذه المليشيات،عند بداية فصل الخريف حيث يتم إرهاب المزارعيين وعمال المشاريع الزراعية، اما لزراعة الأرض او الاستيلاء على المحاصيل .

وربط خبراء هذه الفوضي الي عدم ترسيم الحدود، لان الدولة لاتستطيع تمركز قوتها مع وجود نزاع حدودي لم يحسم علي الارض ، ولعل الضرورة تقتضي إعادة انتشار الجيش في آخر نقطة في الحدود الدولية ،وإقامة نقاط حدودية ثابتة، مع توفير الدعم اللوجستي لتسهيل حركة الدوريات المشتركة، لمنع اي عمليات إجرامية علي طول الحدود لضمان الاستقرار، لان الحدود المفتوحة حتما تساهم في توفير بيئة خصبة لتنامي النشاط الاجرامي، مثل جرائم تجارة وتهريب البشر والأسلحة والمخدرات .

كما لا يكمن استبعاد فرضية، أن مايحدث في الحدود الإثيوبية من جرائم ، يتجاوز نشاط الجماعات المتفلته والخارجة عن القانون ،الي كونه عمل منظم يتم برعاية جهات سياسية اثيوبية نافذة ،تسعي الي تحقيق أهداف استرتجية للدولة، من خلال التوسع في العمق السوداني، واحتلال اكبر مساحات من الأراضي الزراعة لفرض سياسية الأمر الواقع ، لتحقيق اهداف بعيدة المدي، لتغيير الطبيعة الديمغرافية للمنطقة على المدي الطويل،ويبدو ذلك واضحا في بناء المستوطنات وانشاء مشروعات البنية التحتية و ودور عبادة، وتقديم الاغراءت للمواطنين الآثيويين للسكن ، مع السماح لهم بنقل رفات ذويهم ودفنها في العمق السوداني، لتأكيد رمزية امتلاكهم للارض ما مايعني ضمنا تحسين المواقف التفاوضية للجانب الاثيوبي مستقبلا.

كما لايستبعد ربط الأحداث الاخيرة، بصراع النخب الإثيوبية خاصة قومية الامهرا، التي تسعي الي تعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي للهيمنة على الأقاليم المتاخمة للسودان ،من خلال استغلال حالة السيولة السياسية والأمنية في السودان ، كما لايكمن استبعاد فرضية ربط الاحداث الحالية ،بما يجري في كواليس تفاوض سد النهضة الذي تتباين حوله مواقف الحكومة السودانية ، التي تتعرض الي استقطاب حاد من جانب مصر ،لذالك تلجأ الي التصعيدكلما تارجح موقفها التفاوضي،ولذالك تعمل على تحريك اذرعها للضغط و التاثير علي موقف الحكومة السودانية ،لذلك تقتضي الرؤية المستقبلية ضرورة وضع مقاربة واضحة في إدارة ملف الحدود، تعتمد على تغليب المصالح الاسترتيجية للبلاد.

أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.