آخر الأخبار
The news is by your side.

هل هُنالك شيء اسمه “زي محتشم”و “زي غير محتشم”بالنسبة للمرأة… بقلم: عبدالحليم عباس

نعم هذا المفهوم موجود و هو مرتبط بالدين و بالثقافة الإسلامية، و لا يُمكن إلغاءه كمفهوم طالما أنه موجود، الآن على الأقل. شخصيا لا أعتقد بأنه يجب نفيه كشيء قديم و بالي ، على العكس أدعو لأن يبقى حيا.

من المفهوم أن نرفض أي قانون يعمل على إكراه الناس على أي شيء، لا سيما إكراههم على زي محدد. و لكن رفضنا لهذا الإكراه هذا لا يعني أن نتخلى عن معاييرنا الخاصة ، إن رفض قانونا كالنظام العام شيء، و رفض مفهوم الزي المحتشم هو شيء آخر مختلف تماما.

قد نختلف في معيار الاحتشام، و قد يوجد بعض الناس الذين يرفضون المنظومة الثقافية التي تحمل داخلها مفهوما كمفهوم الاحتشام برمتها، هذا رأي معتبر و محترم، و لكن الآراء الأُخرى أيضا معتبرة و محترمة ، و في النهاية لا بُد من وجود حد، و لا بُد من آلية لتحديد هذا الحد. فما هو حد الاحتشام ، أو فلنقل حد اللبس عموماً ، ما هو نوع الملابس الذي يُوجب تدخُل السطات ؟ هذا سؤال لا يُمكن تجاهله و كأنه غير موجود.
هل نقول مثلاً إن من حق الإنسان رجلا كان أو امرأة أن يلبس (أو أن لا يلبس ) أي شيء ؟ ماذا لو قرر أحدهم أنه يريد أن يمشي بملابسه الداخلية في الشارع مثلاً ؟ هل تُعتبر هذه حُريته الشخصية ؟ أو إذا قررت إحداهُن ذلك ؟

ليس هُناك حد فاصل يستطيع لا الذين يدافعون عن حرية كاملة و لا أيضا الذين يدعون الى زي محتشم، أن يقولوا هذا هو الحد. فإذا ذهبنا مع الحرية يُمكن أن نصل الى درجات مختلفة من عدم الاحتشام قد تصل لمراحل بعيدة، و في المقابل يخضع مفهوم الزي المحتشم لتفسيرات مختلفة من ضمنها تفسير رجل شرطة النظام العام في حكومة الإنقاذ، و هذه مشكلة تحتاج لحل.

نظريا إذا مشى الانسان عاريا تماما، فهو لا يتعدى بذلك على حُرية الآخرين. و لكن القضية لا يتم مناقشتها بهذا الشكل و لا يُمكن ذلك، فنحن لا نتكلم عن قضايا منطقية مجردة، نحن نتكلم في سياق اجتماعي و ثقافي محدد هو واقعنا. هناك درجة معينة يكف بعدها اللبس من كونه شأنا خاصا لا يمس المجتمع. صحيح أن هُناك منطقة رمادية تختلف فيها الآراء، و لكن هناك بلا شك نوع و درجة من اللبس يمس الآخرين.

في النهاية إما أن يجري حوار و تفاهُم و يصل المجتمع الى نوع من التوافق، أو أن تقوم الأغلبية بفرض رأيها، أو العكس أي أن تقوم الأقلية بفرض رأيها بوسائل غير ديمقراطية. و إذا لم يتم الأمر بالقوة فنحن بحاجة الى سيادة أو مرجعية عُليا نستند اليها، هذه المرجعية هي إرادة الشعب كما تتجلى في مؤسسات تشريعية.

هذا فيما يتعلق بالمساحة التي يعمل فيها القانون. هُناك مساحة أُخرى هي مساحة الرأي العام ، و الرأي الفردي و الحُر، هُنا يُعبَّر الناس عن آراءهم في الأمور المختلفة، هُنا لا يُوجد رأي رسمي صحيح أو رأي خاطئ. يُمكن في هذه المساحة مناقشة قضية مثل الزي في إطار عام غير شخصي. هُنا لا يجب أن نتكلم عن لبس فلان أو علانة ، و لكن عن الأفكار و المفاهيم بشكل مجرِّد،و ذلك لسبب بسيط و واضح يتعلق بالأخلاق و الذوق و بالقانون أيضا : لا يجب محاكمة الأفراد و التشهير بهم، و من حق المتضرر أن يلجأ للقانون في هذه الحالة. و في الوقت نفسه يُمكن الكلام عن الزي و معناه و دلالته بشكل عام، ما هو مقبول و ما هو غير ذلك تبعاً للآراء الشخصية للناس.

هُنا يُمكن أن يقول الناس آراءهم بكل حرية و باحترام. هل أنت قانون يحافظ على المظهر العام ؟ هل أنت ضد أي قانون يتدخل في حريات الناس ؟ هل أنت مع حرية مطلقة بدون أي قيود ؟ هل أنت مع حرية بقيود ؟ هل تعتقد أن هذه المسألة لا يجب أن تناقش أساسا و لا يحق للآخرين أن يتدخلوا فيما يلبسه أو لا يلبسه بعضهم البعض ؟ و غيرها من الآراء بعيدا عن أي شخصنة أو تشهير ، و بدون أي تجريم أو إدانة لأي طرف.

أما بالنسبة لقانون النظام الحالي، فهُناك مشكلة أكبر من القانون متعلقة بالنظام الحاكم ، و هي أن مفهوم القانون نفسه غائب تقريبا أو غير واضح. القانون في ظل نظام دكتاتوري هو أداة سيطرة و قمع في المقام الأول، لأن العلاقة بين النظام و الشعب قائمة في جوهرها على التسلط و الاستبداد، و ليس على سيادة حُكم القانون.

إن الدفاع عن دور للسلطات فيما يتعلق باللبس في الوضع الراهن يبدو و كأنه دفاع عن قانون و عن ممارسات النظام العام، و كذلك يبدو في المقابل الرأي الآخر كما لو كان ضد أي شكل من أشكال القانون فيما يتعلق بقضية اللبس، و السبب في ذلك هو سيطرة اللحظة الحالية على تفكير الجميع.

إن قانون النظام العام هو نتيجة لفكرة مفادها إن من مهمة الدولة حماية أخلاق و قيم و أعراف المجتمع بواسطة القانون. إن الرد على هذه الفكرة ليس هو القول بأنه ليس هُناك شيء اسمه أخلاق و قيم و أعراف المجتمع كما يقول البعض. صحيح هي شيء لا يُمكن تحديده بشكل تام، و لكن لا يُمكن إنكار أن الدين الإسلامي يمثل مرجعية أساسية لدى أغلبية المجتمع السوداني. لا يُمكن إنكار هذه الحقيقة، و أي كلام عن أن الإسلام السياسي و الجبهة الإسلامية هي التي فرضت هذا الواقع لا معنى له في هذا السياق، فنحن لا نتكلم كيف تشكل هذا الواقع تلك قضية أخرى. إن الرد الصحيح على فكرة أن الدولة تحرس قيم و أعراف المجتمع ليس إنكار و نفي هذه القيم و الأعراف، و إنما تعريض هذه الفكرة للنقد : هل من مهمة الدولة فعلا الدفاع على القيم و الأخلاق و السلوك العام في المجتمع ؟
نظريا، هُناك أدبيات كثيرة في هذا الصدد، ابتداءً من “لا إكراه في الدين”-الآية، و ليس انتهاءً بمقولات أصبحت مشهورة مثل “الإكراه على الفضيلة لا يصنع الانسان الفاضل”. الدولة لا يُمكنها أن تحدد أخلاق و سلوك الناس ، مهما اختلفنا حول معايير الاخلاق و السلوك العام. و لا أعتقد بأن المحافظة على الأخلاق و الأعراف هي هدف قانون مثل قانون النظام العام بقدر ما هي نزعة السيطرة و التسلط.
هذا الكلام يصح على أمور كثيرة جداً، لا يحق للدولة و لا حتى للمجتمع أن يتدخل فيها، و من ضمنها اللبس غير المحتشم ( ضمن حدود معينة من عدم الاحتشام).
و لكن عمليا سنواجه بالسؤال، هل هُناك حدود للحرية الشخصية ؟ في اللبس على وجه التحديد ؟ لا يُمكن أن نقول بأن المجتمع هو الذي يحدد ذلك ، ما هي الآليات التي يمكن للمجتمع أن يحدد وفقها؟ في النهاية سنصل الى تدخل الدولة بواسطة قانون يجسد إرادة الشعب. الإجابة الأُخرى هي ليس هُناك حدود للحرية فيما يتعلق باللبس، و يُمكن أن يلبس أي إنسان أي شيء و لا يحق لأحد أن يتدخل بأي شكل، و هذا رأي مثالي و غير واقعي و منفعل باللحظة الراهنة .و شخصيا أميل الى الرأي الأول.

هذا النظام مستبد و فاسد، و لم تتبلور في ظله إرادة شعبية حقيقية بخصوص قضية كهذه بسبب غياب الديمقراطية. و سيذهب عاجلاً أو آجلاً ، و يجب مناقشة هذه المسائل بمعزل عن هذا النظام.

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.