آخر الأخبار
The news is by your side.

علم أمراض الصفوة: استقباح ثقافة العامة

علم أمراض الصفوة: استقباح ثقافة العامة

بقلم: عبد الله علي إبراهيم

(كذّبتُ أمس الخطاب الذي قيل إن المرحوم على محمد عبد الله التريح (م 1896-7)، المؤرخ الكباشي، كان يمليه على شخصي في الصورة المعروفة. ولمّحت إلى أنه نص يكشف عن سوء ظن تربوي مؤسسي في غمار السودانيين ينشأ عليه متعلم المدرسة عندنا. وأرجعت هذه التربية إلى مؤسسة بخت الرضا (1934) التي لم يخف مؤسسها قريفث في كتابه “تجربة في التعليم” (1952) عقيدته أن السودانيين خلائق بلا ثقافة. وصار المتعلم بالمدرسة بفضل هذه التربية خصماً لأهله تفرغ ل”شنافهم” كما سنرى في الكلمة أدناه)

تسمع “الصفوة وإدمان الفشل” ولا تجد نظراً محيطاً في جدل هذا الفشل وإدمانه سوى زغللة العيون تلويحاً بالعبارة، أو توبيخاً لهم لصراعهم الوحشي حول أمور السياسة الفانية دون الوطن في أحسن الأحوال. وحاولت بكتابات عن مثل تلك الناقدة لمعهد بخت الرضا لفت النظر إلى أن هذا الفشل غريق وناشئ عن أمية فاشية عن معرفة بالشعب الذي فشلوا في خدمته وأدمنوا الفشل. ومن أفدح ظواهر هذه الأمية سوء ظنهم المؤسسي في شعبهم بنسبته للجهل (والفقر والمرض) الذي لا شفاء له منه إلا بتجريعه غصص مشروعاتهم العظمى لانتشاله مما هو فيه. وهي وصاية صفوية على العامة الخالفة. فحتى الإسلاميين، ممن المفروض أن يكونوا والعامة على نفس الصفحة، مصابين بنفس الوصاية الصفوية. فمن تورط في نظام في بؤس الإنقاذ وهللها لابد أن له رأياً غير حميد في إسلام غيره.

ووصف الشعب بالتخلف وملحقاتها من أدل ما تجد من استقباح الصفوة لشعبهم.

جدد بازل ديفدسون في كتابه “عبء الرجل الأسود: أفريقيا ولغة الدولة الأمة” (1992) تشخيص حالة المثقف الأفريقي المحدث. فهو يعاني من تغريب طوعي يرى بمقتضاه أن افريقيا وعامتها وتاريخها عقموا عن توليد معرفة مستحقة الاسم. فالتقاليد الأفريقية هي صنو للجمود والتبلد، وأن ماضي أفريقيا الطويل مما يستوجب إحالته الي الاستيداع لأنه خلو مما يمكن أن نستصحبه في الحاضر وصوب المستقبل. وقد تجسد هذا الفهم المُستَقْبِح لأفريقيا أكثر ما تجسد في الأفارقة الذين خلصتهم بريطانيا من سفن النخاسة التي لم تصدع لأمر الغاء الرق في 1807 وخاطرت تتجر في الأدميين. وعُرف هؤلاء المستنقذون في ليبريا وسيراليون ب “المختطفين للمرة الثانية.” وقد اعتقدوا أن التقدم قمين بأن تخلع افريقيا عنها أفريقيتها جملة وتفصيلاً.

وتمكنت غربة الصفوة المحدثة عن تراثها من جهة نجوى الغرب لهم. فمن رأي الغرب أنه لكي يتعلق الأفارقة بأهداب الحضارة وجب عليهم أن يخلعوا أفريقيتهم. وحتى يوقن الغرب أن هذا الخلع قد تحقق واستوى سيماطل الغرب طويلاً دون أن يأذن لهم بأن يكونوا أوربيين متحضرين. فالأوربيون سيتركون الصفوة الأفريقية بين أفريقيتها، التي كرّهوهم فيها، والأوربية التي دون بلوغها خرط القتاد. فالصفوة، في عبارة ديفدسون، “ستبقي في دار قفر لا ظهراً أبقت ولا أرضاً قطعت حتى ينفخ في صور القدر في وقت مقداره مجهول تنفتح فيه أبواب الحضارة واسعة لتأذن لغريب الديار الأفريقي بالدخول.”

واستقباح تراث السودانيين أكثر ما يكون في ساحات المحاكم. فأحكام القضاة لا تني تصف مجرماً ما ب”البدائية” متي ما استخدم برعونة سلاحاً بلدياً في جريمته. فقال بابكر عوض الله في (حكومة السودان ضد عوض عمر) (1961) بأن الفلاتة والعرب، الذين جمعت بينهما جريمة نظرها في محكمته، سواء في البدائية. وقد وجدت القاضي مصطفي بشار يصف المتهم “تقيل شوية محمد”، النويراوي، قاتل بلدياته بيتر بال اتاك بالكوكاب، في 1968 بالبدائية أيضاً.

وقناعة الصفوة الشديدة بأنها مثقلة بشعب بدائي تريد استنقاذه من شرور تلك البدائية شائعة. فمنع القانون ممارسة الطب الشعبي بغير تدبر كما ظهر ذلك في حكومة السودان ضد تيه تباكو (المجلة القضائية 1976 822). وهذا على خلاف سنة المرحوم التيجاني الماحي الذي قام الطب النفسي الحديث بفضله على مبادلات غاية في الاحترام مع ممارسة طب المجنون التقليدية في الشكينيبة وكدباس.

وأنظر الي استسهال الشيوعيين إطلاق البدائية يميناً وشمالاً. ويظنون ذلك غاية العلم بالنظر الي قيام الماركسية على نواة من نظرية النشوء والارتقاء الداروينية. بل وجدت أن المرحوم محمود محمد طه، وهو الذي سكن الي الصوفية التي هي ممارسة للعامة، يصف السودانيين بالبدائية في “أسس دستور السودان” (1955). ولكنه قال إنه لا سبيل لترقيتهم إذا استكثرنا عليهم الحقوق الرحيبة التي حواها مشروع دستور الجمهوريين للسودان.

وربما كان الإداريون منا أكثرنا استعمالاً لمصطلح البدائية لأنه مما يبرر سوء أدائهم واخفاقهم المزمن. فقد وجدت بسجلات مجلس ريفي دار الكبابيش مذكرة بقلم إداري ما يصف مهمة استقرار الرحل بالعسر لأن “جماعات الرحل هذه شائعة ضاربة على وجه الأرض لا تعرف الاستقرار وتعيش بدائية تعيد للأذهان العصور الأولي من تاريخ البشرية يوم كان الإنسان لا يعرف إلا الرعي والصيد.” وكنت نبهت في كلمة نعيت فيها الشيخ علي بيتاي الي الخوف الذي استولى على المسؤولين السودانيين في العهد الوطني، بعد الإنجليز، من إشراقة الإصلاح التي غرسها في هامش نائي في شرق السودان. فقد تحاذروا منه، وحذروا من شراسة اهله الجميلاب متي انقدح فيهم شرار العصيان. وشبهوا حركته بحركة السحيني في نيالا في 1929. وقد ظل بيتاي قيد المنفي عن الأهل منذ 1954 إلى 1964 في مدن أروما وحلفا والخرطوم وكسلا. وهذه ريبة في ثوري الأرياف انغرست في المتعلم الحديث الذي استقبح أجواء الجذبة والغرقة، وصحبة الحيوان في الفلوات، والمعرفة المباغتة بالاستشراق المنبهل على القلب النظيف آكل الحلال، والإخبار عن النبي والصدوع لأمره. وقد ظن مثقف المدرسة بهذه الأجواء الظنون، ونسبها بغموضها الي مركز الفوضى وانفراط عقد الأمن. وقد استغربت تهافت نفس المتعلم على كرامة الشيخ علي بيتاي في السبعينات.

ولا أعرف كلمة في استقباح الشعب تأذت منها نفسي مثل كلمة منصور خالد في “حوار مع الصفوة” قال فيه إن الشعب “نصفه متخلف بقرون وبضع قرون وراء حضارة العصر. ونصفه بدائي راكد لم يصل بعد إلى مرحلة التخلف”. ولا عجب أن تفشل الصفوة، أي صفوة، في استنقاذ مثل هذه الخامة من غضب التاريخ. . . الأوربي. ولوعورة استصحاب مثل هذا الشعب بقوة بالثقة فيه وفي سعته للطلاقة تجدهم يستصحبوه بالقوة. وهنا منشأ السلاح الفاجر فوق رؤوس الوطن.

أول ما قامت هذه الثورة سعدت لكلمة لابن أخينا البخاري الجعلي قال فيها ربما هذه فرصة أخيرة لنعلم عن شعبنا ما لم نعلم من قبل.

أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.