آخر الأخبار
The news is by your side.

 مبتدأ وخبر … بقلم: د. هاشم غرايبه

 مبتدأ وخبر … بقلم: د. هاشم غرايبه

المبتدأ: تقول القصة الرمزية، ان الحمار أسدى معروفا يوما الى القرد، فنشأت صداقة بينهما، فسأله القرد أن يطلب طلبا يرد به المعروف له ، فقال الحمار: إني أشتهي تذوق طعم تلك الاوراق الزرقاء التي في القمم العالية ولا يمكنني الوصول اليها، فقال له القرد إنها أوراق خضراء، لا تختلف عن تلك التي ترعاها في الوادي، ولكنك تراها زرقاء لبعد المسافة، فردّ الحمار بل هي زرقاء، ونظري سليم لا يخدعني، تجادلا طويلا وأخيرا اتفقا على الاحتكام الى الأسد ملك الغابة.

ولما عرضا الأمر عليه، حكم بجلد القرد عشرين جلده، فاستغرب القرد وقال هل يعني ذلك أنها زرقاء؟.

فرد الأسد بل هي خضراء، لكن العقوبة لكي تتعلم درسا أن لا تتجادل في أمر عقلي مع من لا يحتكم الى عقله بل الى أهوائه.

الخبر: بعد أن اشتعلت الثورات العربية في مختلف أقطار الأمة، وبدأت أنظمة (سايكس – بيكو) بالتساقط، فرحت الشعوب باقتراب الفرج وبدأ قطاف ثمار الديمقراطية بإجراء الانتخابات الحرة لأول مرة منذ تأسس النظام العربي القطري، لتختار الشعوب ممثليها الحقيقيين.

المرشحون بالطبع هم المسيسون، وهم منتمون الى ثلاث تيارات: الإسلاميون والقوميون والماركسيون.

في ظل قمع الأنظمة تاريخيا لهم، لم يكن معروفا قوة كل تيار، لأنه لم تجر انتخابات نزيهة يوما، بل ظلت مزورة دائما، لكي لا ينجح إلا مؤيدو السلطة بنتيجة كاسحة.

رغم أن التوجه الإسلامي هو الغالب على فئات الأمة، إلا أن تضامن الناس مع التيارين الآخرين بسبب تعرضهم للاضطهاد مثلهم مثل الإسلاميين، أوهمهم أنهم مقبولون شعبيا..

عندما ظهرت النتائج جاءت ساعة الحقيقة لتبين حجم كل تيار، فتبين أن المستقلين هم الأكثر شعبية، بينما كانت حظوظ القوميين واليساريين شبه معدومة، وحصة الإخوان لا تكفي لتشكيل أغلبية، لكن لأن غالبية المستقلين ذوو ميول إسلامية، وهؤلاء عادة يميلون للتحالف مع ذوي التوجه الإسلامي وليس مع التوجهات الأخرى، لذلك ارتفعت حصص الإخوان المسلمين في كعكة السلطة.

لم تكن النتائج مفاجئة للناس، لكنها صادمة للتيارين المهزومين في الانتخابات، بسبب عدم واقعية تقديراتهم، واعتقادهم أنهم يمثلون نبض الشارع ومحط آماله، مما انعكس على ردة فعلهما الرافضة للثورات، لأن منتجها الديمقراطي كشف هزالة حضورهم الشعبي.

فبدلا من أن يلوموا أنفسهم على تقصيرهم وبعدهم عن الحصافة في تقديراتهم، لاموا الشعوب على اختيارها (الخاطئ بنظرهم)، بل وشنوا ضد هذه الشعوب حملة تشويه واتهام بالعمالة للمستعمرين، مع أنهم كانوا طوال الوقت يتهمون الأنظمة بذلك، ويطالبونها باحترام حق الشعب بتقرير مصيره واختيار نظامه الحاكم.

هذا الانقلاب المفاجئ في الموقف من الشعب، من التعظيم الى التخوين، وبالمقابل إسباغ الصفات النضالية والوطنية على الحكام الذين طالما عانوا هم وباقي الشعب من استبدادهم وظلمهم، لا يمكن أن يكون نتاج محاكمة عقلية منطقية، بل استجابة للهوى المصلحي.

ولإقناع الناس بصوابية موقفهم، يلجأ بعض مؤيديهم الى نسج روايات لا يتقبلها عقل سليم، مثل قصة أن “قطر” هي التي دبرت الثورة على “بشار” لأنه يرفض مد أنبوب غاز قطري يصل لأوروبا عبر تركيا!.. فهل هنالك عاقل يرفض هكذا مشروع يدر أرباحا طائلة بلا أية كلفة!؟.. وما الذي يغري قطر به علما أنه يمكنها مد الأنبوب بكلف أقل، الى موانئ أقرب كالعقبة أو ميناء حيفا؟.. طالما أنهم يعتبرون قطر هي العميل الوحيد لـ (اسرائيل).

القصة الثانية أكثر كوميدية، وهي (إيميلات هيلاري كلينتون) التي يقولون أنها أرسلتها الى الثوار في كل الأقطار العربية تأمرهم فيها بالثورة على الحكام!، المشكلة أن أحدا ممن يرددونها لم يعرضها على عقله مرة، فيسأله: أيهما أسهل على (كلينتون) أن ترسل الى الحاكم العربي أمرا يتضمن (افعل كذا وإلا..)، وهي تعلم أنه سينصاع، أم الى الملايين من شعبه ليثوروا عليه وهي تعلم أنها لا سلطة لها عليهم، بل ان الفوضى الناتجة ستفقد الكيان اللقيط الأمان الذي ظل ينعم به؟.

كثيرا ما يحاول بعض هؤلاء استفزازي بالدخول بجدل عقيم في مثل هذه القصص، فأمتنع عن مجرد الرد حتى لا استحق الجلد مثلما نال القرد.

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.