نقطة نظام … بقلم: د. هاشم غرايبه
عند الحديث عن الرئيس التركي (أردوغان)، يتصدى لذمه وشتمه نفر يعانون من عاهة (الإسلاموفوبيا)، نذروا أنفسهم لمعاداة المحسوبين على الإسلام أينما كانوا، مع أن لا ينتظر إعجابنا أو كرههم، فما يهمه إقناع مواطنيه لكي يجددوا انتخابه.
كلما شاهدناه يفتتح مشروعا خدميا أو استثماريا، وهو يقول: “يا ألله ..بسم الله”، نفرح نحن المسلمون العرب، رغم أن الغصة تخنقنا، لأننا نرى أنفسنا كالقرعاء التي تتباهى بجدائل خالتها، ونتمنى لو أن الله يرزقنا بحاكم مخلص لنا كما رزق تركيا وخلصها من الأتاتوركية التي فرضها الغرب عليها منذ عام 1924 بعد أن هزمها، وأدامها العسكر الموالون له ثمانين حولا.
فهذه العبارة لم يقلها أي مسؤول عربي في أي افتتاح، لا نقول مشاريع استثمارية أو خدمية، فهذا ما لا نحلم به، بل على الأقل عند افتتاح منجزاتهم العتيدة التي تنحصر في افتتاح دورات برلمانية هزلية، أو مهرجانات غنائية، أو مؤتمرات لمكافحة (الإرهاب).
المقارنة بين حالنا وحال تركيا، تختلط فيها مشاعر الزهو بمشاعر الألم، نزهو بمنجزات بلد إسلامي ظل مثلنا قرنا يتغنى بفضائل العلمانية المستوردة، فيما هو ينحدر أسفل فأسفل الى مستنقعات الفشل، الى أن تسلمت حكمه جماعة خرجت عن طوع الغرب، فارتقت به وأصبح بلدا ناجحا نافعا لأهله، لكننا نتألم لأن الله لم يمنحنا حكاما مخلصين مثلهم، فما زالت أنظمتنا من طينة أتاتورك وأيتامه الفاسدين.
في كل أقطار العروبة نشتاق أن نرى مسؤولا وهو يتباهى أمامنا بإنجاز يسجل له، لكننا لا نرى إلا من يعيّرنا بعدد أرغفة الخبز التي نتناولها، أو يطالبنا بعدم الإسراف في شرب الماء، أو عدم تشغيل المدافيء الكهربائية للتدفئة والإستعاضة عنها بفرك الأيدي والنفخ فيها.
يطالب السيسي شعبه بالتوقف عن الإنجاب ويقول أنه ليس مستعدا لإطعام مزيد من الأفواه، فيما يقدمون في تركيا منحاً لمن ينجبون أكثر، رغم أن إمكانيات بلدهم أقل من إمكانيات مصر.
في تركيا لم ينفذ أي مشروع، صغيراً كان أم عملاقا تتجاوز كلفته الأربعة مليارات، إلا بكفاءات محلية وبجودة عالية، فينجزون ويفيدون ويستفيدون، وتبقى المنفعة لبلدهم ويظل مالهم فيها، لكننا في سائر أقطار العروبة، لم ينفذ أي مشروع انتاجي منذ عشرين عاما، منذ أن تفرغت أنظمتنا لترسيخ حكمها تحت عنوان مكافحة الارهاب.
ما ينفذ عندنا من مشاريع، لا تكون استثمارية منتجة، بل خدمية كتعبيد طريق أو بناء مدرسة أو مستشفى، يتم تمويلها إما بمنحة أمريكية مشترطة الإشراف والإدارة بهم، فيعود المبلغ لهم، أو قرضا يتسرب معظمه في قنوات الفساد، ويسجل دَيْنا على الخزينة.
منذ عرفت هذه الأمة أنظمة (سايكس – بيكو) العلمانية، والحكومات تشكو قلة الحيلة، سواء كان القطر غزير الموارد أو شحيحها، وتلجأ الى الاستدانة من البنك الدولي، لتمويل النفقات الجارية، ولم يخصص اي جزء منه لأي مشروع استثماري ولا حتى خدماتي استراتيجي، بل سريعا ما تتبخر كل موارد الخزينة، بفعل الفساد المحصن من المساءلة.
كل ما جاءت حكومة لعنت ما سبقتها، واتهمتها بأنها سبب العجز المتراكم والمديونية المتزايدة، تَعِدُ الشعبَ أن يتحمل قسوتها عليه فقريبا ما ستأتيه بالفرج، ثم تغادرنا مذمومة مدحورة ونحن بحال أسوأ، ويأتينا النظام بأخت لها ألعن من سابقتها، وتكرر معزوفة شد الحزام والصبر بانتظار الذي لا يأتي.
يتهمنا أعوان الأنظمة بأننا كثيرو التذمر، ويطالبوننا بالنظر الى النصف الملآن من الكأس!!.. وهل هذا النصف ملآن بغير الرغوة التي قوامها مواضيع إنشائية وخطط كلامية ودراسات في الأدراج؟.
الأنظمة باتت مكشوفة واستهلكت رصيدها، لكن ما يبقيها ويحيي فيها العزيمة على امتصاص المزيد من دماء شعوبها، هم هؤلاء الذين يُزبدون ويُرغون حينما نذكر نجاحات المخلصين لأوطانهم الصادقين في وعودهم من أمثال مهاتير محمد أو أردوغان، ليس لسبب بل لأنهم محسوبون على الإسلام، فنجاحاتهم تنقض ادعائهم بأن منهج الإسلام لا يصلح لهذا الزمان، كما تكشف عورات ونقائص من يناصرونهم من مدعي الوطنية والقومية والممانعة، والذين لم يقدموا لأوطانهم غير الهزائم والفساد والفشل.
أما كفاهم مائة عام من تجارب فاشلة لكي يتوقفوا عن محاولة سلخ الأمة عن عقيدتها!؟.