حكايتي مع رجل استثنائي .. مورينيو اوكامبو مصادم الدكتاتوريات ( 1 )
بقلم: د. طارق الشيخ
مقدمة لابد منها : طوال سنوات ومنذ ان تعرفت عليه كنت احس بأنني أمام رجل قوي استثنائي أوكلت اليه مهمة صعبة كل رصيده قوته وتجربة ثرة في ملاحقة ومحاكمة جنرالات وقادة باطشن في بلده الأرجنتين . أجده دائما قليل الحديث شاخص البصر لكانه يفكر في شئ واحد مهمة عسيرة أوكلت اليه ومصائر مواطنين عاديين في دارفور تحت رحمة جنرالات وقتلة من أبناء جلدتهم . كلام حاولت ان اسبر أغوار هذه الشخصية كان يصدني بهدوء صديقي كلمني فقط عن قضية دارفور سأجيبك عن أي سؤال لكن حياتي الشخصية تخصني ولن أحدثك عنها . والمرة الوحيدة التي سمح لي فيها بالدخول في تفصيل عائلي كانت عند آخر مرة التقينا فيها في فندق الفور سيزون الدوحة وقتها جاءها بصفة شخصية فقد كان عليه تقديم محاضرة على طلاب جامعة جورجتاون – قطر حول تجربته في الكونغو ضمن مشروع تشارك فيه قطر وخاص بالحاق اطفال الحروب في الكونغو بالمدارس . وقتها قال لي وهو يقدم نجله الأكبر أن هذا أبني وكان يرافقه في تلك الزيارة ، ويقدم لي سكرتيرته الشخصية والتي أوكل اليها مهمة تقديم كافة المعلومات الممكنة لي فيما يخص قضية دارفور . وقتها كان قد ترك مهمته الأممية وعينت السيدة فاتو بن سودا في مكانه . لقد جرت بيننا حوارات كثيرة ومتعددة في الدوحة لكن موضوعها واحد فقط دارفور . وكان في كل مرة يردد أن لاشك لديه في أن عمر البشير سوف يمثل في يوم ما أمام العدالة لما ارتكبه وحكمه في دارفور . كانت هذه الرؤية من المسلمات التي يقولها بهدوء وثقة ويضيف اليها أن هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن بها ان تنام بهدوء ارواح ضحايا جرائم دارفور وانصاف كل اهل دارفور . وحيث ان القليل جدا ربما يعرفون القدر اليسير عن سيرة أوكامبو فقد آليت تخصيص هذه المقالة والتي تليها لفك طلاسم هذا الرجل الذي لحقه كثير من الأذي من اعلام الحكومة في الخرطوم المضلل ولحنوا وتغنوا بأكاذيب في حقه . الى الحلقة الأولى ..
قبل أن التقيه على هامش منتدى الدوحة لويس مورينو أوكامبو المدعي السابق للمحكمة الجنائية الدولية لأول مرة على هامش منتدى الدوحة سبقتني اليه معرفة بجزء يسير من شئون أمريكا الجنوبية المتشعبة والواسعة والخصبة في كل مجالاتها ، ثقافتها وطبيعة المجتمعات الحيوية هناك ، والصراع الاجتماعي المتجذر وفوارق ، ثم عسكر لهم تاريخ في الانقلابات والوحشية الدامية . سنوات عسكر أمريكا الجنوبية ومعها امريكا الوسطى بدولها الخمس هي تاريخ أسود دام وعسكر حكموا تلك الدول بالدم والنار وساموا شعوبها أنواع من العذاب يتضاءل كثيرا أمامها مافعله عسكرنا هنا في منطقتنا العربية والأفريقية . أمريكا الجنوبية وعسكرها الذي كان يفخر كبار ضباط الجيوش من هندوراس في شمال أمريكا الوسطى وحتى الأرجنتين وشيلي في أقصى جنوب القارة في يوم ما بأنهم حكام دولهم وتابعون أذلاء لقوة الولايات المتحدة الأمريكية . لقد عرفت هذه القارة آلام ومآسي لاحصر لها . ناضلت شعوبها وقاومت ببسالة أعتى الدكتاتوريات العسكرية ومن أكثرها دموية في تاريخ العالم . وصارت هذه التجارب العسكرية التي عرفتها دول أمريكا الجنوبية وبلا استثناء مثالا يحتذى في العديد من دول العالم الأخرى التي دخل عسكرها مجرة التبعية للرأسمالية العالمية وسطوة الولايات المتحدة وشره الشركات العالمية العابرة للقارات .
من ينظر الى تجارب العسكر في البرازيل وكيف قمعوا ثورة الشعب هناك ومن قرأ المقولة الشهيرة التي يتندر بها القادة العسكريين في أمريكا الجنوبية بأن أعلى مرتبة في الجيش هي رئاسة الجمهورية كناية عن الطموح الذي يغرس في نفس كل من يدخل في متاهة العسكر والتي صاغها الكاتب الكولمبي غابرييل غارثيا ماركيز في العديد من رواياته التي سجلت وبرؤية مبدعة سنوات العسكر الدامية ومتاهاتهم التي جروا معها دولهم . لقد نقلت أمريكا تجارب عسكر امريكا اللاتينية الى دول أخرى مثل تركيا ثم الفلبين ثم مصر وأخيرا عندنا في السودان بحيث تتحول المؤسسة العسكرية الى مؤسسة هي في واقع الحال دولة داخل الدولة . تلبي طموحاتهم من التدرج السلس في سلك العسكرية الى بسط نفوذ اقتصادي ومالي وضرب كل من يحاول المقاومة مدنيا كان أو عسكري بقوة مفرطة ومخيفة . وسأضرب امثلة بسيطة تحكي كيف انتقلت تلك التجارب العسكرية والممارسات القبيحة وطبقت بالفعل في العديد من دولنا . كنت أقول دائما لصديقي باقان أموم وهو سليل التعليم الكوبي ومكنته فصاحة لسانه الأسباني بالوقوف على تجارب عديدة في الكاريبي وامريكا الوسطى . قلت له في مرة اغتيال القائد جون قرنق دي مابيور يذكرني بمقتل رئيس بنما عمر توريخوس الذي ما أن رفع راية العصيان ضد التمديد لوجود القاعدة الأمريكية في بنما سيتي بإدعاء حماية الملاحة البحرية في قناة بنما حتى اظهرت له امريكا الأمبريالية أنيابها الصقيلة . حشروه داخل طائرة بدعوى رحلة تفقدية ومعه معظم أطقم الرئاسة والثقاة منهم وفجروا طائرته تماما كما جرى مع قرنق . قلت لصديقي باقان وكنت أجد ألفة في الحديث معه لأنه يعيدني الى تخصصي في يوما ما في شئوون أمريكا الوسطى ، قلت أن مقتل قرنق يذكرني أيضا بما حدث لجنرال الحرية أوغستو ساندينو كما يطلقون عليه في بلده نيكراغوا . الجنرال ساندينو والذي شكل تلاميذه فيما بعد اغتياله الحركة التي عرفت باسم سانديستا والتي تحكم البلاد اليوم بقيادة دانييل أورتيغا . أيضا مصيره مماثل لمصير قرنق فقد انتظروه الى حين توقيع اتفاق سلام مع حاكم البلاد وقتها سليل الأسرة الارستوقراطية الدكتاتور انستاسيو سوموزا . أقاموا له في القصر حفل عشاء فاخر وبحسب ماورد في كتاب سيرته الذاتية فقد تجنب الأكل خوفا من دس السم له في الطعام وتجنب الشراب الا في الحدود المأمونة . وسارت الأمور بشكل طبيعي حتى انتهاء مراسم الاحتفال ثم نفذوا له كمين في طريق عودته في ذات الليلة وقتلوه ومن معه على الطريق .
في شيلي لم يتورع الدكتاتور بينوشيه في رمي طائرة بمن فيها اكثر من 86 من قادة المعارضة لحكمه قدموا للبلاد بنية طيبة عقب اعلانه العفو العام لم يمنعه من رمي الطائرة بمن فيها في وسط لجة البحر في موسم تكاثر الحيتان . مقتل المغني فيكتور هارا داخل ملعب سانتياغو حينما وجدوا أنه يغني ويلهب حماسة الالاف من المعتقلين أسرى النظام العسكري في شيلي . كسروا جيتاره واستمر يغني ويلهب الحماس الالاف الذين يرددون معه وتسمع كل حارات سانتياغو قوة صوتهم . قطعوا اوتار الجيتار واستمر يغني قطعوا لسانه وتركوه ينزف حتى الموت . في الأرجنتين بلد مورينيو أوكامبو دكتاتورية عسكرية قادها الجنرال خورخي فيديلا الذي حكم الأرجنتين ( 1976 – 1981 ) تبدو معها دكتاتورية عمر البشير والاسلاميين في السودان مجرد تهريج سمج .
وأمام هذه الدكتاتورية بالذات بزغ نجم أوكامبو فقد وقف أمامه عتاة جنرالات الجيش الذين كانوا يبثون الرعب في نفوس الشعب الأرجنتيني وقادوا ماعرف بالحرب القذرة ضد الشعب طوال سنوات حكمهم التي استمرت ( 1976 – 1983 ) ومات واختفى خلالها الآلاف من المواطنين . وعرفت تلك المحكمة بمحاكمة 9 من قادة ( الخونتا ) أو الطغمة العسكرية بينهم ثلاثة رؤساء سابقين ، وادان خمسة من بينهم . هنا بزغ نجمه فقد تصدى لمهمة عسيرة وخطيرة اعتذر عنها الكثيرين من قبله . واشتهر في ملاحقته للجنرالات في قضية المختفين ومن غاب أثرهم بعد اعتقالهم من قبل الأجهزة الأمنية للحكم العسكري .
في تلك الأيام عند تخرجه من كلية القانون في جامعة بيونس ايرس عام 1987 كان أوكامبو أبعد مايفكر لأن يصبح مدعيا عاما . واختار ان يعمل موظفا في احدى المحاكم القضائية في إعداد القضايا المرتبطة بالقانون الجنائي وهو نفس تخصصه الجامعي . ووفقا لإفادات سجلها مع اذاعة الأمم المتحدة يقول ” كنت هناك حينما بدأت ملاحقة الجنرالات ومسئولين كبار في الدولة ورفعت عليهم القضايا واتهامهم بجرائم ضد حقوق الأنسان في فترة حكمهم نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات . وحيث أنني كنت محاميا في مثل هذه القضايا فقد طلبوا مني مساعدة المدعي العام في البلاد وعينت كنائب مساعد للمدعي العام . وكانت محاكمة الخونتا أول تجربة لي كمدعي عام . ولهذا فقد سحرتني الوظيفة وتعلمنا منها كيف تتم عملية انشاء المحاكم ، وأيضا تعلمنا كيف نمنع وقوع الجرائم .”