من البجراوية يبدأ الحلم… كيف أعادت “وطنية” السودانيين إلى حضن التأريخ؟
سلسلة: اعرف وطنك (2)
أم الطيور : عبدالرحمن الكيال
ليس أجمل من وطنٍ نكتشفه من جديد، ولا أعمق أثراً من رحلة تقودنا إلى جذور حضارةٍ صنعت التأريخ قبل آلاف السنين. ومن هذا الإيمان إنطلقت مبادرة “اعرف وطنك”، لتؤكد أن السياحة ليست ترفاً، وإنما رسالة وطنية تعيد وصل الإنسان بأرضه، وتزرع في النفوس الإعتزاز بتأريخ السودان وحضارته الخالدة.
وكانت البداية من أهرامات البجراوية، تلك الشواهد الصامتة التي ما زالت تروي للعالم قصة مملكة عظيمة صنعت المجد على ضفاف النيل.
وجاء تنظيم أول فوج سياحي ثمرةً لشراكة مميزة جمعت منتدى وطنية، والإدارة العامة للسياحة بالمفوضية العامة للاستثمار والسياحة والصناعة والتعدين والمحاجر بولاية نهر النيل، والمجلس الأعلي للثقافة والإعلام والإتصالات بالولاية، وشركة حدباي العالمية للنقل، في نموذج يعكس كيف يمكن أن تتحول الفكرة إلى واقع عندما تتكامل الإرادة مع الإخلاص.
وفي هذه السلسلة، لا بد أن تكون البداية مع رجل آمن بالفكرة قبل أن يؤمن بها الآخرون، الأستاذ صلاح نورين، الذي لم تمنعه ظروف النزوح من أن يحمل هم الوطن أينما حلّ. فرغم قصر الفترة التي قضاها بولاية نهر النيل، إستطاع نورين، أن يؤسس مع رفاقه منبراً وطنياً جمع حوله أصحاب المبادرات والأفكار، واضعاً مصلحة السودان فوق كل إعتبار.
ومن داخل مكتب الإعلام بمحلية عطبرة، بدأت تتشكل ملامح الحلم. وهناك كان للأستاذ عاطف الحداد، دور يستحق الإشادة، إذ فتح أبواب مكتبه، وقبلها قلبه، للإعلاميين الوافدين من الخرطوم، مقدماً الدعم والرأي والمشورة، لتتحول الأفكار إلى برامج وورش عمل ومبادرات صنعت حراكاً ثقافياً ومجتمعياً لافتاً.
ولم تكن عطبرة مجرد مدينة إستضافت النازحين، بل كانت وطناً إحتضن أبناء وطنه بكل محبة. فتحت أبوابها، وأسواقها، ومنتزهاتها، وأثبتت أن السودان، مهما إشتدت عليه المحن، يظل قادراً على صناعة الأمل والتكافل. إنها المدينة التي إستحقت أن يُقال لها: سلام عليكم… طبتم، فادخلوها آمنين.
ومع إتساع دائرة العمل، نجح منتدى وطنية في تقنين أوضاعه رسمياً، لينطلق في تنفيذ سلسلة من المبادرات الوطنية التي لامست وجدان المجتمع، بدءاً من تكريم حكومة الولاية، مروراً بتكريم الشخصيات الوطنية، وإطلاق مبادرة “علم السودان في كل مكان… وأحب مكان وطني السودان”، وصولاً إلى مبادرة “اعرف وطنك” التي أعادت تسليط الضوء على كنوز السودان الأثرية، وفي مقدمتها أهرامات البجراوية، ومنطقة النقعة، والمصورات.
إن هذه المبادرة لا تنظم رحلة سياحية فحسب، بل تفتح نافذة واسعة أمام السودانيين ليعيدوا إكتشاف وطنهم، ويتعرفوا على حضارة تستحق أن تكون مصدر فخر لكل جيل. فالأمم التي تعرف تأريخها، أكثر قدرة على صناعة مستقبلها.
وهذه ليست سوى بداية الحكاية… ففي الحلقات القادمة سنروي تفاصيل هذه الرحلة، ونقترب من رجال ونساء صنعوا النجاح بصمت، لنكشف كيف يمكن لفكرة وطنية صادقة أن تتحول إلى مشروع يلهم الجميع، ويؤكد أن السودان سيظل أكبر من الأزمات، وأغنى من أن تختزل صورته في الحرب، لأنه وطن الحضارة، ووطن الإنسان، ووطن الأمل؛؛؛؛ ونواصل إن شاء الله