وما خفي أعظم ..الحديث عن السريانية

 وما خفي أعظم ..الحديث عن السريانية

بقلم: د. هاشم غرايبه

كثر الحديث عن السريانية مرتبطا بالحديث عن المشرقية، وظهرت آراء مريبة، يروج لها مناصرو النظام العلوي الحاكم لسوريا، بأن مسمى سوريا مأخوذة من السريان، وأن اللغة العربية جذورها سريانية، لترويج فكرة المشرقية، الموازية لفكرة الإبراهيمية، التي تعني القفز عن إسلامية المنطقة، بربط هذه المنطقة تاريخيا بما كانت عليه قبل الإسلام.

من المثير للدهشة كيف يؤيد من يدعي القومية إلحاق أمة عظيمة ببقايا ثقافة طائفة كادت أن تنمحي، لا لشيء بل لأن ديانة هذه الطائفة ليست الإسلام.

مثلما أنه من السذاجة الاعتقاد بأن نجاة النظام الحاكم في سوريا من الانقلابات طيلة نصف القرن المنصرم يعود لسبب سوى رضى الغرب عن المحصلة العامة لسياساته، ومنها كونه والمرتبطون به، من أكثر المتحمسين لمثل تلك الأفكار.

عمليا، وبغض النظر عن الشعارات البراقة، فقد استقوى بالمشرقية، واقتصرت سياساته العلمانية على محو السمات الإسلامية لسوريا، ولم يكن بطشه بالإسلاميين مجرد خلاف سياسي مع حزب الإخوان المسلمين، الذي لم يشكل في أي يوم خطورة منازعة البعثيين على السلطة، بل هو مرتبط بمحاربة عقيدة الأمة، فسجونه ومعتقلاته الكثيرة، نسبة الإسلاميين فيها من غير الإخوان 98 %، وليست مصادفة أنه أقام أضخم معتقلاته في منطقة “صيدنايا” التي هي معقل الطائفة السيريانية.

لطالما لاحظ الزائرون لسوريا بقصد السياحة، انه لا ذكر للمعالم المرتبطة بالتاريخ الإسلامي لها في البرامج السياحية المعدة لهم، رغم أنها تعج بالكثير منها، في حين أن هنالك فقرة ثابتة في كل البرامج هي زيارة: بلدة صيدنايا والدير وكنيسة السيدة، لكن يتم القفز عن زيارة المسجد الذي يحوي قبر خالد بن الوليد في حمص، فيأخذونهم الى طرطوس واللاذقية وبحرها وغاباتها، وفي دمشق تجد بندا لتخصيص يوم للتسوق من باب توما التي يقطنها الأرمن، فيما لا يوجد ذكر لقبر صلاح الدين المجاور للمسجد الأموي.

من كثرة التركيز على السريان ولغتهم وثقافتهم، يتوهم المرء أن لهم أثرا كبيرا، لكن الحقيقة أن عددهم في كل بلاد الشام أقل من ربع مليون، أي أقل من نصف بالمئة من عدد السكان، وهم يعودون في أصولهم الى الآراميين، ودخلوا مثل بقية شعوب المنطقة في النصرانية لمدة قرنين أو ثلاثة، الى أن ظهر الإسلام فدخل الجميع فيه طوعياً، باستثناء الأقليات للقوميات التي لا تعتبر نفسها عربية، كالسريان في سوريا والأشوريين والكلدان واليزيديين في العراق، ولسماحة الإسلام فقد تركت الحرية لهؤلاء، وعوملوا على الدوام باحترام لثقافتهم وعقيدتهم، لكنهم وكما هي طبيعة الأقليات المعتادة، ظلوا منغلقين على الدوام محافظين على لغتهم القديمة وتراثهم كوسيلة لمقاومة الإنقراض.

بعد توسع ديار الدولة الإسلامية، وترهل الإدارة فيها، انشقت عن الإسلام فرق مثل الإسماعيلية والأحمدية والبهائية والدروز والنصيرية (العلوية)، واصبحت لها تعاليمها الخاصة، وسرعان ما وجدت في التحالف فيما بينها وقاية من الانصهار والذوبان في الأغلبية، لذا شكل التحالف مع الجماعات المسيحية مصلحة لها أمام الأغلبية المسلمة التي تمثل السواد الأعظم لمجتمع بلاد الشام، والتي تسامحت ولم تنظر الى هذه الحالة التحالفية بنية سوء.

لكن عند كل منعطف خطر في التاريخ، كان هذا التحالف يسقط في امتحان الولاء للأمة، فكان تحالف الأقليات المشرقية هذا ينضم الى المعسكر المعادي للأمة في كل مرة: عند غزو المغول، والغزوات الصليبية، والإنتداب الفرنسي، ومؤخرا الحملة الصليبية المسماة الحرب على الإرهاب، وأخيرا الثورة السورية.

فعندما اندلعت الاحتجاجات في كافة مناطق سوريا، وتحولت بفعل القمع الى ثورة مسلحة على النظام الحاكم، وتبين أن طابعها إسلامي، كان أول المبادرين لنجدته البطريرك الماروني بطرس الراعي، لينتظم حلف الأقليات من جديد، مع مسارعة إيران الشيعية لدعم النظام العلوي، ووجدت روسيا الأرثوذوكسية لنفسها موقعا فيه، فنشأ ما سمي بالمشرقية، وهو التحالف (الشيعي الأرثوذكسي العلوي).

هكذا نفهم لماذا خص رسول الله صلى الله عليه وسلم، أهل بلاد الشام من أمته باهتمامه عندما قال: ” لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ قَالَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ”.

شارك على
Comments (0)
Add Comment