مفاهيم ومصطلحات … بقلم: د. هاشم غرايبه
ظهر مصطلحا القدرية والجبرية مبكرا في الفكر الإسلامي، وكان منشؤهما وغيرهما من المصطلحات، بسبب النهضة الفكرية والفلسفية الهائلة التي فتح الدين الأبواب لها واسعة، بعكس ما يروجه المعادون للإسلام من أنه فكرة مغلقة تحجر على التفكير الفلسفي، ولا تتيح للعقل الإنطلاق.
كان الدافع لنشوء كثير من المذاهب الفكرية الإسلامية، أن المتمسكين الحرفيين بمذهب السلف الصالح، والذي رغم أنه منهج صحيح مبدئيا، إلا أن الخوف المبالغ فيه من التحريف، دفع ببعضهم الى تنصيب أنفسهم حراسا لنصوص السلف، وجعلوها بقدسية الكتاب والسنة، وكفّروا من ناقشها أو جاء بخلافها.
القدرية: هم الذين يقولون بنفي القدر عن أفعال العبد، وأن للعبد إرادة وقدرة مستقلتين عن إرادة الله وقدرته، وأول من أظهر القول به “معبد الجهني” في أواخر عصر الصحابة.
أما الجبرية: فهم على نقيضهم تماما، غالوا في إثبات القدر، حتى أنكروا أن يكون للعبد فعل حقيقة، بل هو في زعمهم لا اختيار له، كالريشة في مهب الرياح، وإنما تسند الأفعال إليه مجازا، فيقال: صلى وصام، أوقتل اوسرق، مثلما يقال: طلعت الشمس أو جرت الريح، وهذا يقتضي بحسب اعتقادهم أن العبد لا يلام على كفره ومعاصيه، لأن الله قدرها عليه.
في حين أن مذهب السلف يرى أن العبد له قدرة ومشيئة يتصرف بها تحت قدرة الله ومشيئته، فهو يقدر ويشاء فعلا ولكنه لا يشاء ولا يفعل إلا ما أذن الله له فيه وقدره له، مستندين الى قوله صلى الله عليه وسلم: “واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف”[ رواه الترمذي: حسن صحيح].
لكن تبقى المسألة غير واضحة في حدود مشيئة وإرادة الإنسان في أفعاله ضمن مشيئة الله، التي هي المهيمنة بشكل مطلق، فيمكنها أن تبطل أو تسمح لهذه المشيئة بالتنفيذ.
إلاّ أننا يمكن أن نقترب من الفهم أكثر، إن أدركنا ان القضية ليست بتلك البساطة، فقولهم ان للإنسان مسار مقدر سلفا (القدر) لكن المتاح له هامش بسيط، يعيدنا الى ما قاله المعتزلة في مسألة أنه إن كان القرآن موجودا قبل خلق الإنسان، فإن سورة المسد قد قدرت على أبي لهب أنه سيدخل جهنم، فما كان بإمكانه رد هذا القدر.
لذا المدخل لفهم القدر هو بمعناه اللغوي، أي الشيء المقدر، ويعني التقدير لما سيحصل من قبل العليم الخبير، و ليس كما يعتبره السلفيون كسجل فيه تفصيل دقيق لكل ما سيقع لكل فرد، بل هو شبكة معقدة من المعادلات الشرطية، فللفرد الخيار في أفعاله، فإن فعل كذا كانت نتيجته كذا، على نمط: إذا تزوج (س) من (ص) سيكون في أولادهما عدة احتمالات لأنماط وراثية من طباع وخصائص، تختلف عنها فيما لو تزوج من (ع) مثلا، وبما أن الظروف لكل ولد ستكون مختلفة لذلك فإن مساره الفكري سيكون محكوما بعوامل عديدة، وستكون الإستجابة للفطرة الكامنة (الإيمان بالله) متباينة، ووفقا للعوامل التي جعلها الله مؤثرة في نمط تفكير الإنسان وطبعه: الداخلية منها كالموروثات الجينية، والخارجية كالتربية والتعلم والبيئة.
إن خالق المعادلات المتداخلة، يعلم مسبقا النتائج التي ستنتج فردا معينا سيكون موجودا في زمن معين، علم الخالق هذا لا يعني أنه قرر أن يكون أبا لهب معاديا للرسالة ولا يملك خيارا لرد هذا المكتوب، بل إن ذلك الشخص سيكون الطبع الغالب عليه العناد والمكابرة، ولما ناله من مكانة اجتماعية واقتصادية يخشى زوالها، وزوجته كذلك، لذا سيكونان من أشد المعادين لرسوله، وهنا ستتدخل إرادة الله بالتمكين للدعوة فتحبط مساعيه.
وقصة فرعون مثل آخر، فرغم علمه تعالى أنه لن يؤمن، لكنه أرسل له رسولين، وأوصاهما: ” فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ” [طه:44]، دليلا على أنه لم يكتب عليه الكفر.
المبدأ الأساسي لسيادة إرادة الله تعالى على إرادة البشر: “واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ” [الصافات:96].
الخلاصة: إرادة البشر تختار الفعل، لكن إرادة الله مهيمنة عليه، ضابطة لنتائجه وفق السنن الكونية.
وذلك منتهى العدل وتكافؤ الفرص بين البشر.