ما بعد الرأسمالية

ما بعد الرأسمالية .. بقلم: د. هاشم غرايبه

المنهج الرأسمالي هو خلاصة الإجتهاد البشري وهو المطبق حاليا في كل أقطار الأرض، بعد أن تمكن متبنوه من دحر المنهج الإشتراكي، لكن ثبت بالتجريب أنه أيضا ليس الأمثل، فنقطة ضعفه أنه يحقق مصالح الأثرياء والمتنفذين، ولا يحقق عدالة اجتماعية بل يباعد بين الطبقات.

المنهج البديل هو المنهج الإلهي الذي أنزله الله على البشر بشكل رسالات عبر العصور القديمة، واكتمل تماما منذ خمسة عشر قرناً، لكن المتنفذين رأوا في عدالته تهديدا لأطماعهم، فحاربوه وتوصلوا الى منع تطبيقه، لكن سيأتي سريعا ذلك الوقت الذي ستجبر فيه وحشية المنهج الرأسمالي وجشع المنتفعين منه، ستجبر المعذبين في الأرض على البحث عن البديل، ولن يجدوا خيرا من المنهج الإلهي، وفيما يلي الدليل على ذلك.

بما أنه لا يوجد نظام سياسي معاصر يطبق المنهج الإسلامي، لذلك ستقتصر المقارنة على أبرز المرتكزات النظرية المفترض تطبيقها على الصعيدين: الاقتصادي والسياسي.

لو سألت أي معاد للدين رافض لتطبيقه كمنهج لحياة الناس، ستكون حجته هي عدم قناعته بأن الدين من عند الله بل هو من وضع البشر…أوليس المنهج البديل الذي يدعونا لاتباعه هو من وضع البشر!؟.

لقد ثبت بالتجريب أنه لا يمكن فرض القيم العادلة مثل التعاون والتكافل والتضامن بالقانون، كما أن التربية الوعظية تبقى ضئيلة التأثير، فليس أقوى من أن تكون مزروعة في النفوس ومضبوطة بدوافع المصلحة النفعية الفردية، أو الخوف من العقاب (الحساب يوم القيامة)، فهذا ينتج رقابة داخلية صارمة، لا يمكن أن توازيها رقابة السلطة.

النظام الإسلامي يتميز بما لا يمكن أن يحققه أي نظام بشري من تواد وتراحم بين أفراد المجتمع، بحوافزه المغرية حيث جعل التقرب من الله بقدر ما يقدمه من نفع للناس، ونوال ثواب الله بمقدار إحسان المرء الى المحيطين به.

أما على الصعيد الإقتصادي، فعلى الرغم من أن الإزدهار الإقتصادي لا يحفزه أكثر من حرية الإنتاج والتصنيع والتجارة، والذي يحققه النظام الرأسمالي، لكن ثمرات هذا الإزدهار لا تصل لكل طبقات المجتمع، بل ينالها أصحاب الثروة والنفوذ، ولا يصل الطبقات الفقيرة إلا الفتات، لذلك تتنامى الفوارق الطبقية.

النظام الإسلامي لا يضع قيودا على التجارة فلا مكوس (جمارك) في الإسلام، ويتيح الحرية الإستثمارية لكن مع ضوابط لتغول الأغنياء، فهو منع الربا الذي هو استيلاد المال من المال بغير انتاج، وفرض الزكاة التي هي نصيب مفروض للفقراء من أموال الأغنياء المكنوزة، كما جعل الكفارات عقوبات مالية لصالح المحتاجين، وفوق كل ذلك كانت الصدقات علامة على صدق التدين.

بهذه الوسائل يمكن تحقيق الإزدهار مع تقريب الهوة الواسعة بين الفقراء والأغنياء.

على الصعيد السياسي، حددت الشريعة أسساً عامة لاختيار ولي الأمر من خلال المواطنين ذاتهم، ومن المعروفين بالتقى (النزاهة)، والمستقيمين على منهج الله (الصلاح والأهلية)، لكنها لم تحدد طبيعة النظام السياسي في إطار محدد، من باب المرونة، ولكي يتوافق مع ما سيصل إليه البشر مستقبلا من نظام سياسي، أصلح من الأنظمة الاستبدادية التي كانت معروفة زمن البعثة (الأباطرة والقياصرة والملوك).

كما أن الإنتخاب المباشر لم يكن متاحا تلك الأيام، فذلك يحتاج الى قيود وسجلات مدنية ووسائل اتصال ومواصلات، في وقت كانت نسبة الأمية أكثر من 90 %، والانتقال من منطقة لأخرى يحتاج وقتا طويلا وكلفة عالية، لذلك كان أسلوب البيعة الذي هو بمثابة استفتاء لقادة المجتمع دون الأفراد.

لذلك لا تعارض من اقتباس الإجراءات الديمقراطية (الإنتخاب الحر المباشر) عند تطبيق نظام سياسي يحكم بموجب الشريعة، فقد استورد الفاروق أنظمة الدواوين والسجلات والقيود المالية من الفرس، وطوّعها لخدمة التقدم والعدالة، كما ظل المسلمون يستخدمون العملات الساسانية والبيزنطية التي عليها شعارات وثنية حتى زمن عبد الملك بن مروان.

لذلك فالمتجمدون عند الصياغات والمسميات القديمة، لا سند لديهم للتمسك بها، فتلك شكليات لا قيمة لها، والمهم هو الجوهر، أي النظام وليس المسميات، فمسمى الخليفة أو أمير المؤمنين، لم ينزل به قرآن ولا سنة، بل هو اجتهاد من الصحابة.

هكذا يتبين لنا أن النظام الإسلامي هو الأمثل لنفع البشر، وهو المؤهل لخلافة الرأسمالية بعد أن تجني عليها وحشيتها، وتفترس ذاتها.

شارك على
Comments (0)
Add Comment