خلف الأكمة … بقلم: د. هاشم غرايبه

 خلف الأكمة … بقلم: د. هاشم غرايبه

لا أحد يجادل في أن ما يحدث في تونس هذه الأيام هو انقضاض على القطر العربي الوحيد الذي سلمت ثورته عام 2011 من تآمر منافقي الأمة، الذين نجحوا بإعاقة ثورتي اليمن وليبيا الى الآن، وإفشال ثورتي مصر وسوريا، وإعادتهما من جديد الى منظومة (سايكس بيكو) العميلة للغرب.

لقد احتاجت الشعوب العربية مائة عام من حكم هذه المنظومة، حتى اكتشفت أن تلك الفترة التي سميت زورا: مرحلة المد القومي، أن ذلك لم يكن مدّاً، بل انكفاء، ولم يكن قوميا بل نظاما سلطويا، وان كل هذه الأنظمة خدعت شعوبها بمقولتين: تحرير فلسطين وتوحيد الأمة، فقد كانت أفعالها تصب في النقيض، سواء الأنظمة الرجعية أوالتقدمية، فالأولى فشلها مقصود عن عمالة واتباع للغرب، والثانية فشلهم بنيوي لأنهم عسكر أنزلوا على كرسي الحكم بالمظلة.

مع كل يوم يمر، تزداد القناعة أن كل ما يجري في هذه المنطقة وما يخطط له، يندرج جميعه تحت عنوان واحد: بقاء الكيان اللقيط وتمكينه من السيطرة على المنطقة، تحت مسمى التطبيع والتعاون الإقليمي فذلك أفضل وسيلة لشرذمة الأمة، لتحقيق مصالح قوى الهيمنة والاحتكار العالمية المتمثلة بأمريكا وأتباعها.

لا تغيب هذه الحقيقة عن ذهن عاقل، لكن المنافقين تاريخيا (معادي منهج الله)، يسعون لإطفاء نور الله، وبأية وسيلة، حتى ولو استدعى ذلك محالفة العدو، وأدى لهلاك الحرث والنسل.

ورغم قلة عددهم، إلا أنهم تمكنوا بالدعم والتمكين لهم من قبل القوى الغربية المعادية طوال القرن الماضي، من ممانعة تحقيق المطلبين الأساسيين للأمة وهما الوحدة وتحرير فلسطين، عن طريق المماطلة والتأميل.

محاولات الغرب عن القضاء على الدولة الإسلامية لم تتوقف، إلا حينما كانت لا تسعفه الإمكانيات، فبعد ضعف الدولة العباسية قام بعشرة حملات صليبية، وأوقفته الدولة العثمانية أربعة قرون، فتركزت جهوده على إسقاطها، والتي لم تكن لتنجح لولا أنه استطاع اختراقها من الداخل، حينما تمكن عملاء المخابرات البريطانية (جمعية الاتحاد والترقي) من الاستيلاء على السلطة متسترين بالعلمانية.

بعد أن نجح في ذلك، كان همّه عدم عودة هذه المنطقة موحدة تحت راية واحدة، ولأن تلك الراية ستكون حتما إسلامية، زرع عملاءه في شتى أقطارها: في تركيا أتاتورك لقطعها عن تاريخها الإسلامي، وفي إيران من أحيى نزعة الإمبراطورية الشاهنشاهية، و الهند شطرها الى دولتين متعاديتين: هندوسية واسلامية، أما المنطقة العربية فقسّمها، وأقطعها لطامعين في السلطة، ضمان بقائهم على الكراسي هو تحقيق متطلب رضى الغرب عنهم، وهو منع وحدة الأمة من جديد ، لذلك جهدوا في تكريس الانقسامات ومحاصرة الإسلام لإبعاده عن دوره السياسي.

من هنا نجد الإجابة على السؤال: لماذا لا نجد حاكم أي بلد في العالم يعمل لغير تقدم وازدهار بلده، ولا يمكن أن يكون عميلا لأي قوة خارجية، لكننا نجد ذلك متفشيا بدرجة مقذعة في أقطارنا؟.

ويفسر ذلك كثيرا من الأمور المحيرة، منها:

1 – لماذا قضية فلسطين هي الوحيدة في العالم التي ما زالت عالقة رغم عدالتها، وكل القرارات الدولية لصالحها معطلة؟.

الإجابة: أن أولي الأمر المفترض أنهم المدافعون عنها لا يطالبون بها، فقد فرض عليهم القبول بها، لذلك يخادعون شعوبهم، ويضيعون الوقت في الحديث عن مفاوضات عبثية لإعطاء الكيان اللقيط الفرصة لتثبيت أركانه أكثر.

2 – لماذا يسمح لكل شعوب الأرض بتشكيل أحزاب بناء على عقيدتها، بينما يحظر تشكيل حزب إسلامي؟

الإجابة: الإسلام هو الجامع الوحيد الذي تجتمع عليه الأمة مهما كانت متشتتة بقاعها، فهو ما يحقق الوحدة.

3 – لماذا لا يسكت الغرب عن أي بلد تنتهك فيه الديمقراطية، بينما يغض الطرف عن الانقلابات وتعديل الدساتير وقمع الحريات في أقطار العروبة؟.

الإجابة: لأنهم يعلمون أن ذلك لكي لا يتاح للإسلام الوصول للسلطة.

بعد كل ما أسلفت، لا يبقى من حاجة للسؤال: ما الذي يحدث في تونس الآن، ولماذا التواطؤ على الصمت عن الانتهاكات الفظة لكل مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان.

شارك على
Comments (0)
Add Comment