الولاء والانتماء … بقلم : د. هاشم غرايبه

الولاء والانتماء … بقلم : د. هاشم غرايبه

مدلولات هذين المصطلحين سامية، فلو عدنا الى الأصل لوجدنا أن الانتماء فضيلة إنسانية عليا، نبعت من ارتباط الانسان بالبيئة التي تؤويه، منذ أن سكن الكهوف، ثم استوطن في بقعة من الأرض ارتضاها مكانا لإقامته، ومع التطور اصبحت تدعى وطنا، وزاد تعلقه بها حتى بات دفاعه عنها يستحق بذل حياته.

الحقيقة أن الارتباط بالمكان لا يقتصر على الإنسان بل يشمل كل الكائنات الحية، حتى تلك الحيوانات والطيور المهاجرة فإنها تعود الى موطنها مرة أخرى بعد انتهاء الغرض من هجرتها.

أما مفهوم الولاء فقد كان الأصل فيه ارتباط الفرد مع قوم بدافع حمائي قوامه الدفاع عن مصالحه التي يتكفل بها التجمع العصبوي.

بعد تطور الفكر الإنساني، ونزول الرسالات السماوية، أصبح الولاء أسمى من العصبية القبلية، فبات ولاءً للعقيدة الجامعة للبشر على أساس أخوتهم الإنسانية التي تحققها عقيدة التوحيد، وأصبح انتماء الفرد أوسع من البقعة التي يقطنها، بل للأمة المعتنقة لهذه العقيدة، مهما تباعدت أمصارها.

لم تتغير هذه المفاهيم على مر العصور، بل زادت وشائجها بعد ان أصبحت قيما يتغنى بها الشعراء والأدباء، لكن في عصرنا هذا، لا الأوطان ولا الأقوام نالهم من فضائلها شيء، بل ظل المستفيد الأوحد من ذلك هو الحاكم أو الزعيم، كونه يدّعي تمثيل الأمة والوطن، بعد إذ تعرض هذان المصطلحان للتبديل والتحوير لدرجة أن مدلولاتهما تبدلت، فقد تكفل إعلام الأنظمة العربية وتوابعه من فرط الاستعمال بتحويلهما الى خانة المفردات المملة، وبات ذكرهما يثير الضجر والتأفف.

في المجتمعات الغربية، لا أحد يتشدق بها، فانتماء الفرد لوطنه ليست محل شك لأن كرامته فيه مصونه، وولاءه لمجتمعه وليس للزعيم، لأن المجتمع لا يسمح للحاكم أن يسلب أحدا حقه.

في كافة الأقطار العربية، ظلت معاني الانتماء الوطني تنحصر في الولاء للزعيم، الذي اختزل الوطن في شخصه، لا يختلف في ذلك المفهوم نظام الحكم إن كان ملكيا أو جمهوريا أو أميريا، فقد اعتبر كل نظام نفسه شرعيا يمثل الشعب، رغم أنه لم يكن لشعب أي قطر عربي خيار في اختيار حاكمه.

وهكذا بعد أن تم تفتيت الأمة الجامعة، وحتى في القطر الواحد تراجع مفهوم الانتماء للوطن، ليحل معه الولاء لنظام الحكم، كما تراجع مفهوم الولاء للأمة بالصورة الأوسع، ليس بدافع من التقدم الحضاري نحو الدولة المدنية المزعومة، بل لتمكن أنظمة الحكم من تفتيت وإضعاف هذه الولاءات عن طريق تأليف القلوب حولها بالترغيب والترهيب، فتعززت قيم الفردانية والمصلحية، وأصبح هم تحصيل المكتسبات الفورية عند الأجيال الجديدة بديلا عن تحقيق مصالح الوطن، وبات من يتحدث في أحوال قطر من أقطار الأمة، يجد من يتصدى له من هؤلاء البغاث من يقول: ما دخلك؟ ..اهتم بشأن قطرك.

من هنا يمكن فهم سبب بقاء العشائرية بالمفاهيم السلبية واضمحلال الجوانب الايجابية منها، في الأنظمة الملكية والأميرية، فيما لجأت الأنظمة الجمهورية الى سياسة التجزئة المجتمعية الى شيع وجماعات، واستغلت خوف الأقليات من الاضمحلال بمنحها امتيازات وأعطيات، فارتبطت مصلحتها ببقاء النظام السياسي ، مما جعلها أعمدة داعمة، وتقدم الولاء له على الانتماء الوطني.

ولإثبات ذلك أورد مثالين: الأول في الأردن، حيث حولت العشائرية مجلس النواب من هيئة رقابية تشريعية، الى مجلس ممثلي العشائر، يتبارى فيه أعضاؤه على التزلف للسلطة لغرض تحصيل منافع كل لمنطقته، بدل أن يتكتلوا سياسيا لتقديم قوانين نافعة للوطن بمجموعه، مرروا القوانين المشبوهة التي قدمتها الحكومة، وسكتوا عن الفشل، وتغاضوا عن ملاحقة الفاسدين.

والثاني في سوريا، حيث تمكن النظام بمحاباة أقليات طائفية من انشاء تحالف منها، دعمه في الوقوف ضد الارادة الشعبية العارمة المطالبة بإقصائه عن الحكم، فتعنت النظام، وأوقع المذابح والتشريد والدمار.

إن الانتماء الصادق هو للأمة، والولاء الحقيقي هو لعقيدتها، لأنها المرتكز القويم والأساس الباقي الى الأبد، وما أفشل أنظمتها السياسية الحالية إلا لأنها استبدلت بانتمائها لدار الأمة الواحدة، انتماءات قطرية ممزقة، وما جعلها ذليلة خانعة لأعدائها، إلا لأنها قدمت موالاتهم على الولاء للإسلام، وهو ما حذرهم منه تعالى بقوله: “وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ” [المائده:51].

شارك على
Comments (0)
Add Comment