الهند الكلية ..الهند التفصيلية !

الهند الكلية ..الهند التفصيلية !

بقلم: عاطف معتمد

علق أحد السادة الأفاضل على موضوع الحجم السكاني بأنه لماذا لا ننظر للهند والصين؟

الحقيقة أنا لم أزر الصين ولا أعرف كيف يعيش فيها العمال والفلاحون لإنتاج سلع تأتينا بأبخس الأسعار. لابد أنهم يعملون عدد ساعات طويلة جدا وشاقة جدا ومرهقة جدا كي تصل إلينا سلعهم بهذه الأسعار التي كأنها بيعت بالمجان ليضع عليها تجار التجزئة والقطاعي هذا السعر البخس.

لكني أعرف الهند بدرجة ما من زيارة ميدانية ومن بحث ومطالعة، وأعرف أن هناك ما يسمى الصورة الكلية للاقتصاد التي تجعلك تقرأ عن إنجازات تنموية في الهند وعن تقدمها الاقتصادي على مستوى الدولة ككل.

لكن الهند التفصيلية غير ذلك بالمرة. أول ما يقابلك في الهند خارج مطار مومباي وعلى طول الطريق الذي يصلك بالمدينة فقراء معدمون يفترشون الطريق بخرق بالية من التشرد والتسول. عدد هائل من البشر حزين لا يغادر الأسى ملامحه. ولعل البهرجة والمهرجانات والأفلام المزركشة في السينما الهندية هي رد فعل عكسي على حالة الفقر في هذه الدولة.

يقول مؤلف هندي وطني يحب بلاده إن مواطنيه يعيشون دون الحد الأدنى من الفقر ويأكلون بمستوى أقل مما تحصل عليه حيوانات المرعى. كلام هذا المؤلف الهندي يصدم المعجبين بالصورة الكلية للاقتصاد الهندي وهم يجلسون بعيدا.

حين زار المفكر اليساري الأمريكي نعوم تشومسكي الهند عاد ليقول إن الفارق بين الأثرياء والفقراء في الهند هو الذي يجعلنا نصيغ مصطلح الثراء “الفاحش”، لأن في الثراء “فحش” حقا حين يجاور هذا البؤس. يقول تشومسكي إن ما وجده لدى أثرياء الهند لم يجده لدى أغنى أغنياء الولايات المتحدة او غيرها من دول العالم.

يحذرنا مؤلف هندي آخر اقتنيت كتابه من ولاية البنجاب من مغبة أن ننظر إلى “شبه القارة الهندية” في حدودها الجغرافية الواحدة التي نراها على الخريطة الصماء ذات مقياس الرسم الصغير.

يقول الكاتب هناك عشرات “الهنداوات” وليس “هندا” واحدة، وكل هند منهم قد لا تشبه الأخرى، هي قطع متراصة من التناقض جوار بعضها البعض.

صحيح أن التجربة الهندية تضرب مثلا للناس من بعيد، لكن الواقع في الداخل أكثر بؤسا مما نتصور، والعدد السكاني الكبير للهند ليس كما يظن البعض نعمة كبرى.

وفي النهاية، كل يوم يمر علينا في مصر دون توسعة أرض جديدة وبناء مشروعات في اللامعمور الصحراوي ودون تخطيط وتوفير لمستقبل الإنسان الجديد الذي سيولد في هذه الأرض هو أزمة جديدة.

إليك أشهر الحالات التي يمكن ان تخفف ازمة التهام الأرض الزراعية في بلادنا:

– الهجرة للعمل في الخارج في الدول الأوروبية والخليجية، ونحتاج هنا برنامح وطني لتدريبنا على كيفية العمل في الخارج بشكل احترافي ونتخلص من أساطير الماضي وسلوكيات تفتقر النضج وتجعلنا لا نعمر طويلا ويتم استبدالنا بآخرين.

– الحروب الكبرى التي تلتهم عدة ملايين ..وهذا ليس من التراث المصري الذي لا يميل إلى الدماء ويألف السلام والهدوء.

– الأمراض الوبائية الكبرى التي تلتلهم عدة ملايين، وهذا أيضا ضعيف الاحتمال بسبب التقدم الطبي الكبير.

– التكامل مع السودان ودول حوض النيل الإفريقي، وهذا يحتاج إلى خطة وبرنامج وعمل مخلص ليل نهار لعقدين متتالين.

اما إذا استمرت العناصر على ما هي عليه اليوم فنحن أمام خطر يزيد من حدته:

– ضعف أو غياب المشروعات الحكومية للخروج إلى اللامعمور وتأسيس مجتمعات زراعية وتعدينية تسحب عدة ملايين من السكان إلى سيناء والصحراء الشرقية والغربية

– تهديد إثيوبيا بالتحكم في مياه النيل باكتمال سد النهضة ووضع مصر على شفا الشح المائي والزراعي

– تآكل الرقعة الزراعية بسبب بناء مستوطنات جديدة للمواليد الجدد

كل ذلك لا يؤثر فقط على الأمن الغذائي، بل يؤثر أيضا على الجغرافيا السياسية وعلى القرارات المحلية والإقليمية وعلى “استقلال الرؤية والمصير”.

شارك على
Comments (0)
Add Comment