العقل زينة … بقلم: د. هاشم غرايبه
جاء في سؤال طريف طرحه أحدهم عبر الإنترنت: عندما تنبت النبتة وتصبح شجرة ضخمة، من أين تأتي مادة الخشب فيها؟، أجاب 99 % من المجيبين أن مصدره التربة.
الإجابة خاطئة، وقد أثبت باحثون ذلك بأن زرعوا خضروات في تربة محصورة كانت كتلتها تبلغ نصف طن، وكان وزن الخضار المنتجة أكثر من نصف طن مع بقاء التربة بذات وزنها تقريبا.
إذا فالإجابة الصحيحة هي من الهواء، فالمواد تصنع في الورقة، والمطبخ هو الكلوروفيل الموجود فيها، فينتج المادة الهيدروكربونية التي تتركب منها كل مكونات النبات، وتنتج من تفاعل ثاني أوكسيد الكربون في الهواء مع الماء الممتص عبر الجذور، مع إضافة نسبة بسيطة من عناصر معدنية موجودة في التربة، مثل البوتاس والفوسفور والنيتروجين، وقليل جدا من عناصر أخرى كالحديد والزنك ..الخ.
هذه الحقيقة الغائبة عن أذهاننا على بساطتها، سببها عدم التفكر في كثير مما نصادفه، ونتعامل معه كأنه بديهيات وتحصيل حاصل.
هنا يظهر الفارق بين العاقل (الذي يتصرف بناء على محاكمة عقلية منطقية)، وبين غير العاقل كباقي الكائنات الحية، فهذه تقودها الفطرة، ولا تملك اختيارا.
لقد ميز الله الإنسان بالعقل لكي يدله من خلال ما يلاحظه في كل ما حوله من التنظيم الدقيق والكمال في الأداء، أن وراء كل ذلك موجد ومنظم ضابط لدوام تنفيذ المهام، وهو السبيل لمعرفة الله لأنه خفي عن الأنظار، وبعد أن يعلم صفاته وإنعاماته على البشر يحبه، ومنتهى الحب هي العبادة.
الاختلاف هائل بين من يقوده العقل عمن تقوده الفطرة، فكل حيوان همه اليومي الوحيد هو الطعام والأمان، فالحمار مثلا مهما كان موطنه أو نوعه، هو واحد في اهتماماته وحركاته والأصوات التي يصدرها، وهي ذاتها منذ القدم، لم يتغير في طبيعته شيء.
لكن الإنسان رغم أن متطلباته الغريزية هي ذاتها، فهو يمتلك الإرادة، ولذلك أعطي العقل، فيتعلم ويتطور، فتتباين امكاناته وتتعدد اهتماماته.
الهدف الأساسي من خلق الله العقل للإنسان لكي يعرفه به، ثم استخدامه بما يحقق له المنافع الكثيرة.
فالاستحقاق الأساس لميزة العقل الإيمان، لذلك كان الإنسان مكلفا به اختيارا، بخلاف الحيوانات.
لهذا يفترض بالإنسان أنه بعد استخدام العقل في التفكر، أن يتوجه الى الاستخدام الثانوي، وليس أن يقفز إليه مباشرة، فذلك تبخيس لقدر العقل واحتقار له، لأنه إذ ذاك يكون اقتصر على استخدامه لتحقيق المتع والمنافع المعيشية، تماما كاهتمامات الكائنات الحيوانية غير العاقلة.
ذلك التحقير للعقل يشبه من يستعمل الجهاز اللوحي (I-Pad) كمضرب لكرة تنس الطاولة، قد يحقق الغرض كالمضرب، لكنه تبخيس واحتقار، لأن ذلك الجهاز صنع لأداء هام أرقى من ذلك بكثير.
لذلك لو استعمل العقل في فهم آلية عمل النبات، لتوصل الى الإجابة الصحيحة لذلك السؤال البسيط، ولما انكب المرء على فهم سقيم، سببه الميل الى اراحة العقل من التفكر والتأمل في كل ما يصادفه، والقفز الى التفسيرات التي تريحه من الالتزامات والضوابط التي يستوجبها الإيمان، بالقول أن كل ما هو موجود جاء بالصدفة وبعشوائية محضه.
عظمة الخالق تتبين في قدرته على انتاج عظيم النفع هائل التعقيد من منتجات النبات، من مكونات أولية بسيطة تتوفر في كل بيئة، فمن ثلاثة عناصر أولية هي الأوكسجين والهيدروجين والكربون أصلها غازات، تكونت كافة المواد الحيوية والغذائية والبنائية.
من يتبع العقل فسيوصله حتما الى أنه لا يوجد شيء وجد عبثا، بدليل أنه لا شيء في هذا الوجود ليس له دور في الدورة الحيوية.
من يُكذب بكتاب الله عليه أن يجد نقضا لقوله تعالى: “وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ” [الأنبياء:30]، فيدلنا على كائن حي واحد لا ينبني تركيبه على الماء.
ومن يكذب بيوم الدين، فليقدم دليلا ينقض قوله تعالى: “كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ” [القصص:88]، فليدلنا على كائن حي واحد لا يموت.
فإن لم يفعل، ولن يفعل، فليعلم أن العقل زينة، وليحترمه فيتبعه لأنه فقط ما ميزه عن الأنعام، ولا يصر على ركوب عقله وتسييره حسب هواه .. فهو بذلك يستحمره.