الخيانة الثقافية.. بقلم: د. هاشم غرايبه
المثقف شخص ذو معرفة واطلاع، لذلك فهو ناقدٌ اجتماعيٌّ، يمكنه أن يحلِّل الواقع ليحدِّد العوامل والعوائق التي تقف أمام بلوغ نظام اجتماعي أفضل، أكثر إنسانية وعقلانية، كما أنه الممثِّل لقوَّةٍ محرِّكةٍ اجتماعيًّا، تعمل على تطوير أفكار المجتمع ومفاهيمه الضرورية.
هذا الدور الخطير يرتب مسؤولية كبيرة، فكما أن القائد العسكري لا يعتبر خطؤه تقصيرا بل خيانة، فكذلك المثقف، فتقصيره في واجبه تجاه وطنه وأمته خيانة.
و أخذنا مثالا على ذلك: طه حسين الذي لم يقصر معه وطنه، فقدر ابداعه الأدبي وعول عليه كثيراً، لكنه وهو على متن السفينة التي أقلته الى فرنسا رمى العمامة في البحر أمام مودعيه،
وقال: كل شيء في فرنسا يعجبني ويرضيني، خير فرنسا وشرها، حلو فرنسا ومُرِّها.
إن المثقفين والمفكرين كانوا على علم بالنشاط الصهيوني الهادف إلى اغتصاب فلسطين، ومنهم طه حسين بالتأكيد، ومع ذلك فانه اتفق مع آل هراري المنتمين للحركة الصهيونية على أن يرأس مجلة “الكاتب المصري”، وأن يعمل مستشاراً ثقافياً لشركتهم الثقافية، في الوقت الذي رفض فيه مثقفون مصريون آخرون المساهمة في هذه المجلة الصهيونية وعلى رأسهم عباس العقاد الذي استنكر صدور مثل هذه المجلة في مصر ورفض أن يكتب فيها، بل إنه في أحد مقالاته تحدى أن يثبت أحد أن طه حسين كتب حرفاً واحداً ضد الصهيونية.
إذن فقد كان طه حسين غارقاً في الخيانة الثقافية وواعيا بذلك، وإلا فما معنى حطه المستمر من الثقافة الإسلامية ورموزها، حيث بخَّس من قدر ابن خلدون والمتنبي وحمل على الرافعي ورفيق العظم وأحمد زكي، وامتد شره إلى الشعر العربي الجاهلي فنفاه جله إلى دائرة الاختلاق، في الوقت ذاته ذكر في محاضرة له في المدرسة اليهودية في الاسكندرية عام 1944، أن لليهود دورا مهما في اغناء التراث العربي في الجزيرة العربية، وفي ترجمة المعارف الأجنبية ولكن دولة المسلمين طمست ذلك!.
وغضب على الدكتور عثمان أمين عندما أعد رسالة الدكتوراه في باريس عن محمد عبده، بينما كان يفضل هو أن تكون حول ديكارت، بل شط في غيه إلى حد أن جعل المستشرقين هم الحكام وأصحاب الفصل في الفكر الإسلامي واللغة والأدب، فكان يقول: “هذا الرأي لا يرضي المستشرقين” (انظر كتاب أدباء عرب معاصرون لجهاد فاضل)، بينما نراه يعلي من شأن الثقافة الغربية ويدعو في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر” إلى متابعة الغرب في حلوه ومره خطوة بخطوة، وشبرا بشبر.
بعد أن توصلنا إلى توضيح خطورة دور المثقفين، يمكننا وبكل اطمئنان أن نتهمهم بأنهم أحد أسباب الانحطاط الذي وصلنا إليه، ومن يريد منهم أن يبريء نفسه فلا أقل من أن يلتزم بالمبادئ الأساسية التالية:
1 – إن طبيعة المثقف إنسانية عابرة للأجناس والمعتقدات، وهو مناضل أممي دائم في الدفاع عن حقوق الانسان، لذلك تسقط هويته عندما يغدو مواليا لأي نظام سياسي، الولاء فقط للأمة ومبادئها الانسانية (وليست الشوفينية)، ويجب التوقف عن الدفاع عن أي من الأنظمة الحاكمة، لأنها جميعا أنشئت بأرادة المستعمر الأوروبي، ولم يثبت أي منها استقلاليته عنها ولا نزاهته.
2 – يجب أن يكون موقف المثقف معلنا بلا مواربة، وواضحا وصارما، برفض تأييد أي تنظيم سياسي أو نظام حكم لا يلتزم بحقوق الانسان الأساسية، المتمثلة بحقه في العيش بكرامة وحرية وعدالة، وحقه باختيار من يحكمه بشكل حقيقي، وكل نظام يحظر أي حق من حقوق المواطن في التعبير عن الرأي أو تشكيل الأحزاب، فهو مرفوض ويجب الدعوة لإسقاطه بغض النظر عن الحجة التي يتذرع بها، وأما متطلبات الدفاع عن هذا النظام أو التنظيم فلا تتأتى إلا بعد سلسلة متكاملة من الاجراءات الديمقراطية التي تبدأ بضمان حرية التعبير وتنتهي بتلبية كافة متطلبات الرفاه الاجتماعي.
3 – تجاوز كل المواقف التنظيمية والفكرية والانخراط في ميثاق ثقافي جامع مبني على المبدئين السالفين.
ختاما، يجب أن يعي كل من يعتبر نفسه مثقفا أنه يسقط عندما يعمل لإسقاط الآخر، يجب أن يقبل بالآخر وفكره، لأن طبيعة الانسان هي التعددية في الفكر والعرق والمذهب، ولا مكان بعد لأي نظام أو تنظيم شمولي.