الحياة مدرسة … بقلم: د. هاشم غرايبه
كون الإنسان مدني بطبعه، يقتضي منه بناء علاقات اجتماعية ودية مع الآخرين، فتجد أن الصداقات تنبني بين من تجمعهم الزمالة في الدراسة أو العمل أو الجيرة في السكن، أو الشراكة والمصلحة المتبادلة.
الصداقة علاقة تبادلية متوازنة، فلا تصح من طرف واحد، ولا تدوم إن تعارضت مع المصلحة، تبدأ بالتعارف ثم استكشاف الميول والمشارب المشتركة، وكلما ازدادت المشتركات بين الشخصين تعاظمت عرى الصداقة، لكنها إن تضاءلت فهي تضمحل الى أن تزول، وقد تبقى إن كانت هنالك ظروف جامعة بحكم الأمر الواقع، كالقرابة والجيرة والزمالة في العمل، لكنها تبقى مجرد معرفة أو صحبة، ولا تصل الى مرتبة الصداقة مهما طالت.
كل حالة صداقة بين اثنين، تمثل تجربة فيها من العبر ما يغني خبرات الناس ويعزز فهمهم الصحيح للعلاقات البشرية المعقدة التشابك.
في بدايات العمر، يكون المرء منفتحا فيفرط في الثقة بالآخرين، ويعتبر أن كل علاقة هي صداقة، وكلما تقدم في العمر تنفرط عرى العلاقات بفعل تضارب المصالح وتباين الطباع، فلا يبقى من الصداقات إلا قليل، وذلك يفسر ميل الكهول الى العزلة.
من التجارب التي أغنت معرفتي وزادت من خبرتي، أنه كان لي صديق، عرفته منذ أيام الدراسة في بغداد، ما جذبني إليه تهذيبه وسعة أفقه، وتغلبت صحبتنا على عائق التباين بين منبتينا الإجتماعي، فهو ابن عائلة ثرية تقطن عمان، فيما عائلتي قروية متواضعة الدخل، لكن ما عزز علاقتي به كونه مثلي من القلة الذين نجحوا بتجنب الإنضمام الى حزب البعث، من غير أن ينالهم الضرر، لم نكن كلانا نعتنق فكرا بديلا، لكن السبب عدم القناعة بسبب ممارسات منتسبي الحزب البعيدة عن المثل التي ينادون بها.
بعد عوتنا الى الوطن، اختط كل منا مسارا لعمله بعيدا عن الآخر، فانقطع تواصلنا.
ومع أننا لم نبتعد عن العمل العام، إلا أن التقاءنا من خلاله لم يتحقق، لأن دخولي كان من البوابة بينما كان دخوله من السقف، فقد بدأته بالمشاركة في العمل النقابي من بداية السلم، فاستغرق وصولي الى الموقع الأعلى وهو النقيب ومن ثم رئيس مجلس النقباء، ربع قرن من الزمان من العمل الدؤوب، فيما كان دخوله انزالا من الأعلى باستخدام المحسوبية وتوصيات الجهات التي تصنع القياديين، فما احتاج جهدا ولا زمنا، كل ما في الأمر علاقات اجتماعية مع جهات نافذة أوصلته لعضوية نادي الروتاري، وبعد ذلك تكفلت (الداية) بتزكيته لتبوأ المراكز الرفيعة.
التقينا من جديد، بعد إذ جمعتنا ظروف مختلفة، استعدنا الذكريات، لكن لم يتعدّ الأمر ذلك، فقد كانت قناعاتنا الفكرية متعاكسة تماما، فظل كلانا يكن الود الشخصي للآخر، من غير الدخول في جدال.
لكن بقي لدي فضول لمعرفة كيف أمكنه اقناع ذاته بصواب مساره، الى أن حدث مرة أن التقينا في مناسبة اجتماعية، وكنا جالسين وبعضا من اصدقائنا معا، اذ دخل أحد رؤساء الوزراء السابقين يحفُّه رهط من بعض كبار الرسميين، فإذ به يقوم طالبا من مضيفنا أن يقدمه لهم والتفت إلي قائلا قم نجلس مع هؤلاء، فرفضت بحجة أنني لا أعرفهم، لكن السبب الحقيقي أنني أمقت التزلف الى هؤلاء ولا أطيق مجاملتهم.
عندها عرفت كيف تبنى الصداقات الزائفة، وكيف توزع المناصب الحكومية الرفيعة على الأتباع والمريدين، فيما يقال تمويها أنها تخضع لأسس المفاضلة بحسب الكفاءة والخبرة، فلو راجعت سيرة البعض من وزرائنا، ستجد كثيرين منهم شباب لم يخالط شعر رأسه شيب بعد لحداثة سنه، ولإخفاء ذلك يلجأ لحلقه كاملا، ولا يمكن أن يكون دخل من الباب ولم يصعد درجات السلم، درجة إثر درجة، بل نزل من الأعلى.
بل إن هنالك من أبناء الذوات من عُيّن في منصب رفيع فور تخرجه من الجامعة، وعند مطالعة سيرته الذاتية، عندما عين وزيرا بعد خمس سنوات، وإذ باسمه مسبوق بحرف الدال، فتتساءل متى أمكن له أن ينال الماجستير والدكتوراه وهو على رأس عمل هام!؟.
الصداقات الحقيقية قد لا تقدم نفعا ماديا، لكنها تريح النفس وتغذي الروح بالسكينة، وتلك المزيفة نفعية تبقى بتحقق المصلحة وتزول بزوالها، لكنها لا تورث النفس غير الشقاء والإغتراب الإنساني.