مصر هبة السودان (توازنات القوس والذهب)
بقلم: أمجد هاشم
لقد حبا الله أرض السودان السهلية منذ القدم بثروات عظيمة و هذه الثروات كانت المُحَفز الأكبر لأطماع سكان الهضبة الإثيوبية (أكسوم التاريخية) و سكان الشريط النيلي الضيق وسط الصحراء (مصر الفرعونية) وقد ظل السودانيون تاريخياً منذ أيام الإمبراطورية الكوشية يتعاملون مع هذه الأطماع وفق توازنات القوس (القوة العسكرية) و الذهب (المصالح و المحفزات) و خيارات التعامل ما بين القوس أو الذهب كانت دائماً ما تُرَجحها طبيعة الأوضاع في الداخل السوداني و الأثيوبي و المصري.
المُلفت أن الممالك السودانية القديمة بالرغم من براعتها العسكرية التي جعلت جيرانها يسمونها بممالك تاسيتي أي أرض الأقواس بسبب تميزهم في الرماية مع ذلك لم تكن لدى السودانيين القدماء أي أطماع توسعية حتى في فترات صعودهم الإقتصادي عندما إزدهر تعدين الذهب و صناعة الحديد والفولاذ في مروي عاصمة الإمبراطورية الكوشية، و المرة الوحيدة التي توسع فيها السودانيون القدماء خارج حدودهم التاريخية كانت لأسباب دينية و ليست إستعمارية عندما غزا الإمبراطور كاشتا مصر دفاعاً عن المصريين الذين كانوا يتشاركون مع الكوشيين عبادة الإله (آمون راع) و نجح حينها كاشتا في صد غزو القبائل الليبية لمصر و تمدد بعده الإمبراطور بعنخي و الإمبراطور ترهاقا بقواتهم شمالاً حتى البحر الأبيض المتوسط و شرقاً حتى حدود أورشليم لإنقاذ اليهود من بطش الأشوريين بحسب ما ورد في الكتاب المقدس.
و أسس الكوشيون حينها ما سمي في علم المصريات فيما بعد بالأسرة الخامسة و العشرين المصرية أو الفراعنة السود في محاولة تزويرية من علماء الآثار المصريين لإنكار أصلها السوداني و هي الأسرة التي حكمت مصر لما يقارب المائة عام (744-665 قبل الميلاد) و وصفتها منظمة اليونسكو بالقوة العظمى التي ضارعت الرومان و الفرس في القوة و النفوذ، و سجَّل التاريخ أن الكوشيين لم يمارسوا ضد المصريين القتل و النهب و إستباحة الأعراض الذي مارسه غيرهم من الغزاة مثل الهكسوس و الرومان و البطالسة و شهدت مصر في عهد الكوشيين نهضة كبيرة في العمارة و الفنون ولم تسقط الأسرة الخامسة و العشرين و ترتد إلى حدودها القديمة في شمال السودان إلا بعد أن تآمر المصريون عليها مع الغزاة الأشوريين مما دفع الكوشيين للإنسحاب من طيبة إلى نبتة و من بعدها إلى عاصمتهم الجديدة في مروي.
عند إسقاطنا على الراهن المعاصر توازنات القوس و الذهب التي مكنت ما سمي بالسودان أن يحافظ على كيانه الجغرافي في حده الأدنى ما بين الشلالين الثاني و السادس برغم الأطماع الخارجية سنجد أن هذه التوازنات ما زالت صالحة جيوسياسياً لتفسير تذبذبات العلاقة الشائكة بين السودان و جاريه الشرقي والشمالي، و ما معركة إسترداد الفشقة عسكرياً التي فرضتها تطورات الأوضاع في الداخلين الإثيوبي و السوداني إلا مظهر من مظاهر هذه العلاقة المعقدة، فتحرير الفشقة يمكن أن نعتبره إعلان عن واقع جديد بدأ يتشكل في المنطقة و هذا الواقع الجديد ما كان ليكون ممكناً لولا الثورة السودانية التي غيرت التوازنات و حررت السودان من فاتورة ثقيلة ظل يدفعها النظام البائد لكلٍ من الإثيوبيين و المصريين بسبب تورطه في المحاولة الفاشلة لإغتيال حسني مبارك و ما تبعها من عقوبات دولية ضيقت مساحة المناورة المتاحة أمام النظام المحاصر دولياً و أجبرته على عقد إتفاقيات سرية فرَّط بموجبها في الأراضي السودانية، أضف لذلك عامل الإرتداد الإثيوبي عن دولة ملس زيناوي الفيدرالية متعددة القوميات و إنتقال أبي أحمد إلى الدولة المركزية القابضة التي أزَّمت الأوضاع الداخلية في إثيوبيا و هو ما تناولته بشيئ من التفصيل في مقالي السابق.
(حلايب و خيارات التعامل… القوس أم الذهب؟؟) في هذا المقال دعونا نُخضع العلاقة مع الجار الشمالي لنفس القراءات و لكن من زاوية تحليل الأوضاع في الداخل المصري و ذلك للإجابة على تساؤل البعض منا (لماذا الفشقة الآن و ليس حلايب؟؟!!).
بعكس الفشقة هذه المرة سنجد أن الخيار العسكري (القوس) لإسترداد حلايب و إعادة التوازن بشكل عام إلى العلاقة مع مصر ليس هو الخيار الأمثل إستراتيجياً فالسودان يمتلك إزاء مصر بعكس إثيوبيا كروت ضغط كثيرة و خيارات متعددة أقل تكلفة و أكثر مأمونية ستُجبر مصر الرسمية على الخضوع للرغبة السودانية في تحويل قضية حلايب إلى التحكيم الدولي عاجلاً أم آجلاً و ربما إذا أحسنَّا إستغلال هذه الكروت للمدى الأقصى قد تتنازل مصر عن حلايب بدون تحكيم دولي كما تنازلت للسعودية عن تيران و صنافير من قَبل مقابل مغريات إقتصادية، فمصر التي تعاني (قبل إستكمال سد النهضة) من الإنفجار السكاني و شح الموارد المائية و إنحسار فرص الإستصلاح الزراعي خارج نطاق الشريط الضيق للنيل و تراجع إيرادات قناة السويس و تدهور مدخولات السياحة ستعاني أضعاف مضاعفة بعد إستكمال السد الإثيوبي.
قد يتساءل الكثيرون ما هي الجزرة التي يمكن أن تقدمها دولة فقيرة تعاني من مشكلات إقتصادية مزمنة مثل السودان لمصر، و هو سؤال منطقي إذا نظرنا للسودان بمنظار الدولة المعزولة إقتصادياً و المحاصرة دولياً و المنغمسة كلياً في أزمات و حروبات داخلية عبثية و هو وضع حرصت كلاً من مصر الرسمية و اثيوبيا الرسمية طوال السنوات الماضية على إستمراره و لكن بفضل الثورة السودانية تغيرت المعادلة فالسودان المتحرر من العقوبات الدولية، المستقل سياسياً و المستقر أمنياً و القادر على إستغلال موارده المائية و الزراعية بالكامل هو دولة قادرة على فرض شروطها من منطلق يسمح لها بالمساومة على حلايب المحتلة مقابل الغذاء و الماء فمصر لن تجد أمامها مستقبلاً غير السودان ملاذاً يقيها شر الجوع و المثغبة و حينها ستصبح هبة السودان و ليست هبة النيل كما وصفها هيرودوت من قبل بشرط أن تكون على سدة الحكم في السودان عندما يحين الوقت حكومة وطنية منتخبة تمتلك عقل إستراتيجي قادر على عقد المساومات الكبرى لتحقيق المصلحة السودانية فليس من الحكمة التهور و الإنجرار إلى نزاعات عسكرية مع دولة مثل مصر تعاني حرفياً من مأزق وجودي خطير كما أنها تتفوق (آنياً) بما لا يقاس على السودان في الجوانب التسليحية و ذلك بفضل المنحة العسكرية التي ظلت تتلقاها من الولايات المتحدة الأمريكية سنوياً منذ السبعينات في أعقاب توقيعها على إتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل و هو ما جعلها القوة العسكرية التاسعة عالمياً بالمقارنة مع السودان الذي يحتل المرتبة السادسة و السبعون بحسب تصنيف القلوبال فاير باور.
إن الرسالة الواضحة التي يجب أن تبعثها أي حكومة وطنية منتخبة في السودان لنظيرتها المصرية هي أن إحتلال حلايب في بداية التسعينات عندما كان الجيش السوداني منشغلاً في حروبه الداخلية سيظل طعنة في خاصرة العلاقات الطبيعية بين البلدين و أنه لن يمر دون عواقب و بدون إيقاف سياسات التمصير و حل هذه القضية بطريقة حضارية فإن حلايب ستتحول في السودان الديمقراطي الحر إلى جند إنتخابي ثابت فالرأي العام السوداني لن يقبل إطلاقاً أي حديث سياسي ممجوج عن التكامل بين البلدين في مجال الأمن الغذائي و لن يستثيغ فكرة أن تُصَّدَر الماشية السودانية الحية إلى المسالخ المصرية التي تذهب إيراداتها من القيمة المضافة إلى خزينة القاهرة ولن يقبل كذلك بإستمرار العجز التجاري بين البلدين بسبب الإغراق المصري للأسواق السودانية بالمصنوعات البلاستيكية والملابس الجاهزة والشوكلاتات و الشيبسات والفواكه الفاسدة، و لن يوافق السودانيون على منح الشركات المصرية أي ميزات تفضيلية تتطلع لها في مشاريع البنى التحتية السودانية في ظل الإقبال الأوروبي و الأمريكي على الإستثمار في السودان، و الأهم من ذلك لن تجد إتفاقية الحريات الأربعة التي وقَّعها النظام السابق طريقها إلى التنفيذ و هي الإتفاقية التي بحسب ما تسرب فإن المصريين يراهنون عليها في دوائرهم البحثية الضيقة كهدف إستراتيجي لتخفيف الكثافة السكانية العالية في مصر عبر مشاريع ينشئها الجيش المصري لإعادة توطين الفلاحين في شمال السودان و هي مشاريع كان قد تغاضى عنها نظام المخلوع عمر البشير و تُمثل تكراراً بالكربون لسيناريو المستعمرات الإستيطانية الإثيوبية و مخططات التذويب الديمغرافي في الفشقة، كذلك على الحكومة السودانية أن ترسل رسالة واضحة مفادها أن الناخب السوداني لن يقبل بمشاريع الربط البري و السككي التي تسعى مصر حثيثاً لإستكمالها بغرض تسهيل وصول منتجاتها لأسواق الكوميسا في محاولة منها للإستفادة من الموقع الجيو-إستراتيجي المميز للسودان كمسمار نص و معبر وحيد لمصر من و إلى دول شرق و غرب و جنوب أفريقيا لا يستطيع المصريون تجاوزه أو القفز فوقه.
يتبع… إستعادة الإرث الحضاري الكوشي (حلم قابل للتحقق) 4_4