في موكب 6 ابريل.. والاعتصام في حوش الثورة  .. احتفالات واهازيج وتلاحم وصمود..

في موكب 6 ابريل.. والاعتصام في حوش الثورة  .. احتفالات واهازيج وتلاحم وصمود..

ثلاثة أيام قضاها الشعب السوداني في حذر شديد وترقب، لما ستسفر عنه الاحداث بعد موكب 6 ابريل واعتصام المحتجين أمام القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة، في ذات الوقت الذي مارس فيه الثوار هواياتهم المفضلة في ترديد النشيد الوطني، والهتافات الثورية المناوئة للحكومة، والاهازيج والاغاني الممجدة لثورتهم والمتفاعلة مع الاحداث اول باول، ومن المشاهد التي أصبحت مألوفة للجميع في سوح الاعتصام امام القيادة العامة، وجود الأسر والاطفال وكبار السن و حتى الاطفال المشردين، كما انتشر الباعة الجائلين بكثافة في محيط وداخل اماكن الاعتصام، يعرضون بضائعهم للمعتصمين من مأكولات ومشروبات وتسالي وغيرها من السلع.

بقلم:  عواطف ادريس

نجاح الثورة

افرد الاعتصام والاحتجاج امام القيادة العامة والشوارع المحيطة بها، واقعاً جديداً ومغايراً عن الوضع المألوف قبل هذه الاحتجاجات، ففي اليوم الاول للاعتصام كانت المواكب والتي اجتازت المصاعب والعقبات في طريقها غير مبالية بالاخطار المحدقة بها، وفي تصميم كبير للوصول الى مكان التجمع المحدد من قبل تجمع المهنيين السودانيين، وصلت المواكب من أماكن كثيرة داخل العاصمة بصعوبة بالغة وتصميم كبير الى امام القيادة العامة للقوات المسلحة، وقد كانت لحظات الوصول والالتقاء بين المواكب والتي جاءت بكميات كبيرة وحشود بشرية ضخمة قمة في الحماس والفرح والانتشاء، وقد علت الهتافات والزغاريد حتى بُحت الاصوات وانحدرت الدموع على الوجوه وانهار البعض في بكاء هستيري، فيما سجد آخرون شكراً لله على نجاح الموكب، وتلبية بتوافد هذه الحشود وبلوغها الى المكان المطلوب في الزمن المحدد.

التقاء المواكب

وقد التقى الثوار من كل المناطق، والتي كانت تشهد حراكاً وتظاهرات متواصلة، لحظات وثقها الشباب المحتجون وانزلوها في مواقع التواصل الاجتماعي، واصبح هنالك تعارف بين هؤلاء الشباب الثوار، كما تم تداول هذه المقاطع وحفظ الاناشيد الثورية وترديدها في الموكب، وقد أسهمت حملات النظافة والتي كانت تحت اسم (حنبنيهو) وعمل (لجان المقاومة) داخل الاحياء في توطيد الصلات والتعارف والتكاتف بين أبناء الحي الواحد والمنطقة والمناطق المجاورة، وقد ظهر هذا الامر جلياً في موكب 6 ابريل، والاعتصام امام القيادة العامة للجيش، كما ظهر التلاحم والتعاضد والتكاتف بين ابناء الشعب السوداني بوضوح وقيم النفير والفزع والنجدة والتي كادت ان تندثر بين ابناء العاصمة، الا أن هذه الاحتجاجات والاعتصامات قد احيت هذه الخصل النبيلة والاصيلة من جديد، فما ان ظهرت بوادر الاعياء والجوع والعطش على المحتجين حتى تعالت الهتافات والنجدة بمد المعتصمين بالمياه والطعام، ففي خلال لحظات وساعات معدودة تم توفير قدر كبير من المياه والطعام كل يحمل ما يستطيع حمله، ويأتي سريعاً الى مكان الاعتصام، وكان لسان الكثير منهم يقول ” أمشى الاعتصام وما تشيل هم غير هم واحد وهو هم الوطن”، كما يحمل عدد من الشباب “كراتين” واوعية لجمع الاموال والتبرعات من المحتجين لشراء ” المشمعات” والمياه والطعام، فيما شوهدت اعداد كبيرة من المواطنين المتوافدين الى مكان الاعتصام يحملون الخبز والمشروبات وهم يعبرون الشوارع والكباري الى المعتصمين، كما سخر العديد من المواطنين مركباتهم الخاصة والعامة في خدمة المعتصمين في نقل المصابين والمنهكين الى اماكن تلقي العلاج في داخل مقر الاعتصام وخارجه.

عرس السودان 

الفرح والسرور والهتافات والاهازيج، كانت سيدة الموقف في هذا الاعتصام الكبير، والذي تحول الى مهرجان واحتفالات شعبية قل أن تجد نظيرها في أي مكان، ولم يكتف المعتصمون خاصة من الشباب بالمشاركة والهتاف وتوزيع المأكولات والمشروبات فقط، بل عمدوا الى جمع القمامة والمخلفات في اكياس النفايات الخاصة بها وجمعها في اماكن محددة، ومن ثم قاموا بالاتصال بعربة النفايات والتي جاءت وجمعت النفايات وخرجت بها الى الخارج، فيما قام عدد من ” الشماسة” والذين يعملون في جمع الكرستالات الفارغة وبيعها الى حجز كميات كبيرة منها في اكياس النفايات، وهم لا يصدقون انهم تحصلوا على هذا العدد الكبير من الكرستالات والتي بحساباتهم ستحقق لهم مبالغ وارباح طائلة، فيما اشتدت علامات الدهشة على محيا صغار المشردين وهم لا يعلمون من أين أتى كل هذا الكم الهائل من البشر والذين تقاسموا معهم النوم على الأرض وحياة التشرد الخاصة بهم، ودخلوا الى عوالمهم دون استئذان، ولكن في ذات الوقت أمن لهم المواطنون الاكل والشرب النظيف والصحي والفواكه والحلويات فأصبحوا يتقاسمونه معهم بكل ترحاب وسرور، وعندما تسير في وسط هذه الامواج البشرية رغم كثافتها، لن تجد نشالين او متسولين او متحرشين بل تجد الأمن والامان متوفر والحب والاحترام والتوقير والاستئذان في لطف في حال تم تدافع أو دهس ومضايقة غير مقصودة.

شارع النيل 

بالرغم من ارتفاع درجات الحرارة العالية من الصباح وحتى المساء، إلا أن هنالك أسر اصطحبت معها حتى اطفالها، تدافعت وجاءت بكميات كبيرة، معها كل مستلزماتها من صيوانات وفرش للأرض و الشاي والقهوة والمأكولات والمشروبات بكميات كبيرة لها وللمعتصمين معها في كرم سوداني أصيل، كما وفروا للمعتصمين ولابنائهم احساس الاسرة والبيت الكبير والدفء الذي يفتقدونه في هذا التوقيت العصيب من تاريخ البلاد، وجاء كل اطياف الشعب السوداني بكل اطيافهم والوانهم وانتماءاتهم ومذاهبهم الفكرية والسياسية والعقائدية الى الاعتصام ولايحملون سوى همهم الواحد وهو هم الوطن والمستقبل لابنائهم واحفادهم، كما توافدت بائعات الشاي والاطعمة بعد ان وجدن سوقاً رائجة وزبائين كرما يشترون لهم ولغيرهم فاصبحن منافسات للبائعات الدائمات في هذه الاماكن واللائي اصبحن لا يستطعن تلبية طلبات زبائنهن بالسرعة المطلوبة، كما تحلق الشباب حول متاريسهم في الشوارع الرئيسة والداخلية امام مباني القيادة العامة لحماية انفسهم والمعتصمين بعد أن تم توزيع المهام الاساسية لهم من قبل لجان المقاومة، كما حرص الجميع على توثيق اعتصامهم وهتافاتهم بالتقاط الصور التذكارية عبر التصوير بالهواتف الذكية والكاميرات والسيلفي لتوثيق هذه اللحظات التاريخية ومشاركتها مع ذويهم واصدقائهم والاحتفاظ بها للذكرى، ومن الملاحظ كذلك أن الشباب والمحتجين اصبحت لهم تحية خاصة بهم مع علامة النصر وهو أن يقول احدهم للآخر (تسقط بس) مع ابتسامة عريضة، كما تشاركهم العربات العامة والخاصة هذه التحية عبر الأبواق والاشارات الضوئية خاصة عند التقائهم بالثوار.

(الجريدة)

شارك على
Comments (0)
Add Comment