الحكم المدني: تجربة لم يخضها السودان من قبل
هيمنت الطائفية السياسية على الحكم في السودان منذ الأول من يناير 1956، تاريخ نيل الإستقلال وتسلم الأحزاب السلطة من الإستعمار في طبق من الفضة، ودون إراقة قطرة دم واحدة. وكانت سمة الحكم الطاغية الإمتثال لرغبات زعيم الطائفة، فعم الفساد والصراع على كراسي الحكم بين الأحزاب، تحركه أيدي الزعامات الطائفية في الخفاء، (الإشارة)، تارة وفي العلن تارة أخرى، سعيا وراء تكريس السلطة والإستحواذ على مقدرات البلاد وثرواتها. وفي خضم ذلك الصراع البغيض تناست زعامات الأحزاب أن الشعب السوداني، المالك الشرعي للسلطة والموارد، قد وقف بصلابة خلف صنع ذلك الإستقلال، ينشد التحرر من قيود التخلف والإنطلاق نحو التقدم الإقتصادي والإستقرار الإجتماعي. وعندما عجزت الطائفية السياسية عن التمسك بالحكم، رمت به إلى أحضان العسكر، فكان الحكم العسكري الأول بقيادة الفريق إبراهيم عبود عام 1958- 1964. عادت الأحزاب الطائفية إلى سدة الحكم، بعد سرقة ثورة الشعب ضد نظام عبود في أكتوبر 1964. لم تستفد الطائفية السياسية من دروس الماضي، فعادت تمارس أسلوبها البائس في الحكم، إلى أن أطاح بها إنقلاب جعفر النميري قي مايوعام 1969، ليهيمن على السلطة والثروة وممارسة الفساد لحوالي 16 سنة، حتى أطاحت به ثورة الشعب في إبريل 1985. سرقت الأحزاب الطائفية ثورة الشعب مرة ثانية، بطرق ذكية هذه المرة، بتنصيب الجنرال سوار الدهب، ليحكم السودان مؤقتا لفترة عام، ريثما تستعيد الطائفية السياسية أنفاسها للإنقضاض على السلطة. وكعهدها، أساءت الطائفية السياسية إستعمال السلطة بالفساد والمحسوبية وتجاهل مطالب الشعب.
وكانت قوى الإسلام السياسي تقف لها بالمرصاد، فإنتهزت السانحة لإنتزاع الحكم من الطائفية السياسية التي كانت تشكو الضعف والهزال وعدم القدرة على الإضطلاع بمهام الحكم بطريقة رشيدة. أتت قوى الإسلام السياسي على ظهور الدبابات عام 1989، وهي تعزف المارشات العسكرية، لتعلن ميلاد “ثورة الإنقاذ الوطني”، التي بشرت الشعب السوداني بأنها سوف تحكم البلاد على نهج الشريعة الإسلامية. وبدلا عن تطبيق مبادئ الشريعة السمحاء في الحكم، وجد الشعب نفسه أمام حكم دكتاتوري فاسد وقاهر جثم على صدره 30 عاما من الكبت والقتل والسرقة، قضى عليه الشعب بثورته الظافرة التي تفجرت في ديسمبر 2019.
وبعد هذا التاريخ المظلم من تداول الحكم، مثل كرة القدم، بين الطائفية السياسية والعسكر، يطل المجلس العسكري برأسه على الشعب ليفرض نفسه حاكما على السودان بقوة السلاح، ثم يطالب الثوار دون خجل أو إستحياء، أن يتولى رئاسة المجلس السيادي، أي أن ينصبوه حاكما عسكريا على السودان للفترة الإنتقالية، لا لخدمة الشعب ولكن حبا في السلطة ملفوفة بالشرعية الثورية.
ومن المؤكد أنه لا يدري أحد كم سوف تطول الفترة الإنتقالية المزعومة، لأن نهم العسكر للحكم والتسلط يزداد يوما بعد يوم، فلربما إحلوت لهم كراسي السلطة، ليجلسوا عليها إلى حين إندلاع الثورة القادمة.
ولم يرمش جفن العسكر وهم يطالبون برئاسة الدولة، لأمر في نفس يعقوب، والتي تعني تمركز السلطة الدستورية في إيديهم، ليعبثوا بمؤسسات الدولة ومواردها، تماما كما فعل البشير من قبلهم. فليس هنالك مسوغ قانوني أو حجة منطقية للمطالبة والإصرار على تكريس السلطة في أيدي جنرالات المجلس العسكري، فحكم العسكر لا يعود على البلاد والعباد إلا بالخراب والدمار، لأنهم ببساطة غير مؤهلين للحم ولا يحسنونه ، كما دلت تجاربهم الفاشلة والمتكررة في السابق. وقد إدعى البرهان، رئيس المجلس العسكري، في إحدى الصحف أن الضباط يحملون درجات فوق الجامعة، ولكنه نسي أن تلك الدرجات ربما تكون مؤهلات عسكرية قد تصلح لحمل النياشين، ولا تعني شيئا في مجال الحكم والإدارة، بل من المؤكد أنها لا تبلغ مستويات الماجستير والدكتوراة والأستاذية التي يحملها الكثير من المدنيين الثوار، بعضها تخصصات في محالات الحكم والإدارة.
ولذا، ليس من المفيد للوطن وشعبه التبجح أو التنابذ بالألقاب، وأن يكتفي الجنرالات بقضايا الجيش وأعداده ليوم كريهة، والكف عن قتل الثوار حينما يطالبون بحقوقهم، وألا يقحموا أنفسهم في أمور ليست من شأنهم وأن ينصرفوا إلى العسكرية التي تخصصوا فيها فقط، وليعلموا أن للثوار ذخيرة متراكمة من العلماء والخبراء، هم أدرى بالحكم من غيرهم، فكفانا تسويفا وخداعا، فعهد الفساد المغلف برداء الوطنية الزائفة والذي يمتطي ظهر دبابة تسمى الشريعة الإسلامية لن يعود، فالشعب قد أدرك التلاعب بالألفاظ ووعي الدرس بالتجربة ولن يسمح بوصاية الجنرالات عليه للمرة الخامسة، لكي لا يتكرر ذلك السيناريو البغيض من القهر والنهب وقتل الأبرياء. ويبدو أن المجلس العسكري يفسر الفترة الإنتقالية بأنها إمتداد لحكم البشير، بينما يحتاج إليها الثوار كفترة لإنجاز مهام محددة وتنظيف الساحة لهبوط عهد الديمقراطية والحرية والسلام. فخلاص السودان من محنته سوف يتحقق عبر الحكم المدني فقط، وليس بغيره.
أبوالقاسم سيف الدين
أستاذ باحث (م). عضو تضامن قوى الهامش.