هل القراءة هواية؟ هل نذكر التنفس ضمن قائمة هواياتنا؟ سؤال غريب أليس كذلك؟
بقلم: محمد حاج
تحدث الكاتب عبدالله المهيرى عن هذه المسألة قائلاً:
ماذا لو سمعنا أحدهم يقول: هوايتي المفضلة الأكل؟! سنضحك ونعتبر كلامه نكته أراد أن يضحكنا بها بعد أن رآنا عابسين، او حقيقة إن كان من أصحاب الأجسام الضخمة، بالتأكيد ستستغربون من هذه الفلسفة لماذ؟
لأن هذه الامور عادات وافعال طبيعية لكل إنسان وكذلك أرى القراءة، أنها ضرورية تماماً كالتنفس والأكل ولا غنى عنها، بل القراءة امر يتميز به الانسان عن باقي المخلوقات فلذلك القراءة ليست هواية أبداً القراءة امر ضرورى ولا يمكن ان نعتبرها هواية نمارسها متى ما نشاء.
تعلمي القراءة بدأ بطريقة دراماتيكية إن جاز التعبير، كنت الازم “جدتي” التي لا يفارقها الراديو إطلاقاً كانت تؤجل مشاويرها أحياناً بسبب متابعة برامجها المفضلة، وليس لي ما أفعله سوى اللعب مع أقراني من أبناء الجيران والإستماع للراديو، حيث لا رياض اطفال ولم يصلنا البث التلفزيوني وقتها.
سألتها مرة كيف يستطيع المذيع التحدث طوال اليوم بهذه الطريقة أجابت بالقراءة، سألتها باندهاش القراءة ؟ نعم: القرءاة، إذن لماذا لا يدخل أحد “اخوالي” الى الراديو ويتحدث إلينا وهم يقرؤن ولا يفارقهم الكتاب؟ ضحكت لأن الاذاعة بعيدة في امدرمان ونحن هنا لاتوجد لدينا اذاعة، ما رأيك أريد أن أذهب إلى أمدرمان وأكون مذيعاً؟ ردت ضاحكة عليك بتعلم القراءة أولاً.
اتجهت فوراً إلى المكتبة واخذت كتاباً ومثلت أني أقرأ، لاحظتهم يضحكون عليّ وعرفت بسبب إمساكي للكتاب مقلوباً، وبذكاء اتجهت الى الكتب التي فيها صور حتى أميز وضع الكتاب.
ذات مساء جاء مهرولاً صديقى واخي الزبير الخبيرالذي يكبرني سناً ولكن احجامنا متقاربه همس ليّ غداً ساذهب للمدرسة واتركك وحيداً،ماذا تفعل؟ اتعلم القراءة والكتابة، وأنا أيضاً أريد ذلك، لا لن يتم قبولك، لماذا؟ لأنك صغير، أسرعت ولاصقت كتفي بكتفه انظر هل انا صغير؟ ضحك متهكماً وقال لي ليس بالطول يا بليد بل بالعمر. فليكن بأي شيء سأذهب معك.
في الصباح رايته حامل شنطته مرتدياً زياً جديداً انفجرت باكياً ولم تجدى كل محاولات إرضائي بالانتظار حتى أكمل السابعة السن المحددة للقبول ولكنها باءت بالفشل تحت إصرارى، المدرسة تقع الى جوارنا وأغلب المعلمون يعرفونني منهم من زامل فرداً من الأسرة أو من نزل ضيفاً على “خلوتنا” قبل توجهه للميس المخصص للمعلمين وهذا ما شفع لي وتم قبولى كمستمع.
تعلمت القراءة واصبحت شغلي الشاغل أقراء كل ما يقع في نظري في مرة من المرات وجدني أحد “أخوالي” اقرأ كتاب (تحفة العروس) اخذ مني الكتاب ولم يقل لي شيئاً وخبأهٌ شدني الكتاب وظللت لأيام ابحث عنه ولم أجده وبعد سنوات سمعت بلجان المنصفات الادبية والفنية التي ليس لها أي عمل سوى حجب وحظر كتب المغضوب عليهم من النظام الحاكم، حينها تذكرت خالي وقلت لاشك انه من هذه الفئة الباغية او ربما يكون هو صاحب هذه الفكرة الشريرة التي تحجب الكتب دون سبب واقعي أومنطقي.أدمنت القراءة وجعلتها جزء من حياتي ولكني للاسف فشلت في دخول الاذاعة.
وبعد كل هذه السنوات والتطور الهائل الذي حدث في الكون مازالت “قريتي” تفتقر لوجود مكتبة واطفالها وشبابها يعانون وهذا ما يؤلمني إتخذت قراراً قبل سنوات بإنشاء مكتبة والحمد لله الترتيبات تسير كما خططتٌ لها .
يقول سلمان العودة في زنزانته: قلت مرة لشيخي قرأت الكتاب ولم يعلق شيئاً منه بذاكرتي؟ مدّ لي تمرة وقال: امضغها، ثم سألني: هل كبرت؟ قلت: لا، قال: ولكن هذه التمرة تقسمت في جسدك فصارت لحماً وعظماً وعصباً وجلداً وشعراً وظفراً وخلايا!
أدركت حينها أن كتاباً أقرأهُ يتقسم، فيعزز لغتي، ويزيد معرفتي، ويهُذبُ أخلاقي، ويُرقي اسلوبي في الكتابة والحديث وإن لم أشعر.
فعليكم بالقراءة والتمر حتى تتساوى الزيادة في العقل والجسم.