الفنانة ريماز المليح: التراث ليس طريقًا سهلًا للشهرة… وأنا وردة خرجت من فوهة البنادق

ليست ريماز المليح مجرد صوت قادم من البادية، وليست تجربتها الغنائية مجرد عودة إلى التراث من باب الحنين. هي فنانة اختارت أن تدخل إلى التراث من طريق الجذور، وأن تجعل من المردوم واللحن البدوي مساحة للفرح والهوية والمقاومة الوجدانية. وبين من يراها حارسة للتراث ومن ينتظر منها مغامرة موسيقية جديدة، تقف ريماز بثقة وتقول إن التراث ليس قيدًا، بل بداية الطريق.

حاورها: محمد الصديق

في هذا الحوار تفتح ريماز المليح قلبها للحديث عن مشروعها الفني، وعلاقتها بالتراث، وموقفها من الحداثة، وترد على الانتقادات التي تحصر تجربتها في لون واحد. كما تتحدث عن الحرب، وضغوط الاصطفاف، ودور الفنان حين يصبح الغناء ضرورة لا ترفًا، مؤكدة أن الفن بالنسبة لها مساحة للسلام والمحبة والهوية.

هل ترين أن الوقت قد حان للانتقال نحو إنتاج موسيقى حديثة بالكامل، أم أن التراث سيظل محور مشروعك الفني؟

أعتقد أن ما أقوم به هو الحداثة والمواكبة في حد ذاتها، مع الاحتفاظ بالمفردة واللحن البدوي الأصيل. والهدف من دمج التراث والحداثة هو أن يكون الفن مفهومًا لعامة الناس، فالتراث هو الجسر بين الماضي والحاضر.

هناك من يرى أن تجربتك الغنائية ما زالت مرتبطة بلون موسيقي واحد بشكل واضح، إلى أي مدى تفكر ريماز المليح في تقديم موسيقى مختلفة خلال المرحلة القادمة؟

فكرتي أن أتناول تراث السودان من غربه إلى شرقه، ومن جنوبه إلى شماله، دون تحديد. أنا فنانة حرة وطليقة الإحساس. بدأت بلوني لأنه الأقرب والأوضح بالنسبة لي، وكباحثة في التراث فضلت أن أبدأ بما أجيده وأفهمه، ثم أتطرق إلى بقية الألوان الأخرى، وهذا ليس بالبعيد إن شاء الله.

 

يلاحظ بعض المتابعين وجود تقارب كبير وتشابه في الإيقاع التراثي بين عدد من أعمالك، ألا يُعد ذلك ضعفًا أو نقصًا في الإبداع؟

لكل شخص زاوية مختلفة ورؤية مختلفة، ولا يمكن أن يجمع الناس على رأي واحد. وهنا تكمن الحكمة فالاختلاف الذي أحس به الجمهور هو إيقاع المردوم، لأن أغلبية أغاني ريماز بدأت بالمردوم، وهو الإيقاع الراقص الذي يجلب البهجة والحماس والسرور في نفس المستمع. لذلك عندما سمع بعض النقاد الأغاني أحبوها بشدة، لأن إيقاع المردوم يعتبر من الإيقاعات المميزة والمحببة لدي. لكن بالتأكيد لا أعتبر ذلك ضعفًا ولا نقصًا في الإبداع، وإلا لما وصلت ريماز المليح إلى هذه المرحلة، وذلك بفضل الله سبحانه وتعالى، ثم دعم جمهوري وأسرتي.

بعض النقاد يقولون إن نجاحك الجماهيري مرتبط بقوة البيئة والتراث أكثر من التطور الموسيقي نفسه، فما رأيك؟

الإنسان ابن بيئته، ولا يمكنني الانسلاخ عن مكوني ولا هويتي ولا لهجتي لأثبت أن النجاح والتفوق ليسا بسبب البيئة. النجاح بسبب الإحساس الذي وصل إلى قلب كل شخص. التراث ينقل إحساسًا واقعيًا وحقيقيًا جدًا بلغة يستطيع أن يفهمها كل شخص. وفي النهاية هذا نقد، وكل إنسان له حق التعبير.

برغم ارتباط اسمك بالأغنية التراثية، لماذا لم نسمع أعمالًا واضحة بإيقاع الجراري، وهو من أهم الإيقاعات في تراث غرب السودان؟

إن شاء الله في الأيام القادمة، حاليًا هناك أعمال جديدة بإيقاعات مختلفة، وليس الجراري فقط، بل أيضًا إيقاع النقارة والكرنك والكاتم وإيقاعات أخرى.

هل تخشين أن يؤدي الابتعاد عن اللون التراثي إلى فقدان جزء من جمهورك الذي ارتبط بك من خلال هذا النمط؟

طالما أن الله، الذي وضع القبول ومحبة الناس في خلقه تجاهي، موجود، وجمهور ريماز المليح المؤمن تمامًا بصوتي وقدراتي الفنية موجود، ودعم العائلة موجود، فلا أخشى شيئًا. أنا أحب المغامرة جدًا، والجمهور كما قلت ارتبط بريماز، وإذا خضت تجربة فنية أخرى خارج التراث، فأثق أنني سأجد قبولًا أوسع، لأن الجمهور يرتبط بالصدق والإحساس قبل اللون الفني. أينما يكون الصدق في الغناء، يكون الجمهور قريبًا.

برأيك، كيف يمكن للفنان أن يحافظ على أصالة التراث وفي الوقت نفسه يواكب تطور الموسيقى المعاصرة؟

من خلال الحفاظ على المفردة واللحن. لحن البادية محسوس وعميق، ويحمل روح المكان والناس، لكن الفيصل أن نصهر المفردة واللحن في قالب فني واحد، وإعطاء كل حرف حقه، بمعنى أن يكون هناك تشبع تراثي.

يقال إن ريماز المليح نجحت لأنها غنت التراث، لا لأنها قدمت مشروعًا موسيقيًا جديدًا. هل توافقين على أن التراث كان أسرع طريق للشهرة؟

أرفض بشدة أن يتم التعامل مع التراث كأنه طريق سهل أو وصفة جاهزة للشهرة. أنا لا أرى أي سهولة فيه. الغناء الحديث أسهل، لأن مفرداته وكلماته واضحة، أما التراث فيحتاج إلى تمعن وتأنٍ وفهم حتى تستطيع إيصال المعلومة للمستمع. طالما أنني نجحت في التراث، فحتمًا سأكون ناجحة جدًا في الغناء الحديث، لأنني بدأت بالأصعب.

لو قال لك أحد: ريماز المليح أنتِ لست فنانة، بل محافظة على التراث ولم تصبحي فنانة بعد، ماذا ستقولين؟

هذا مجرد رأي، وليس كل الآراء تؤخذ على محمل الجد.

لو طلب منك التخلي مؤقتًا عن التراث وتقديم لون جديد بالكامل، هل تقبلين التحدي أم تخشين صدمة الجمهور؟

منذ البداية طريقي واضح، وأتحرك بخطى ثابتة. اخترت مدرسة التراث لأنها تمتلك إيقاعات لم تُكتشف بعد. أما بخصوص صدمة الجمهور، فقد يتفاجأ في البداية، لكنه سيتفاجأ بصوت وإحساس وتفاصيل عميقة لم يعتدها في أعمالي التراثية السابقة.

عندما اندلعت الحرب في السودان، هل شعرتِ أن الغناء أصبح بلا معنى، أم صار أكثر ضرورة؟

أولًا، الرحمة والمغفرة للشهداء، وأتمنى أن يعم السلام والأمان والاستقرار في ربوع بلادي الحبيبة، وأن يعود السودان جديدًا ومعافى إن شاء الله. أنا أغني منذ فترة طويلة جدًا في المناسبات، ولكن ظهر إحساسي الحقيقي بعد الحرب، لأنني كنت داخل الصورة ورأيت كل شيء بأم عيني. كان عليّ أن أتحرك، وأن أفعل شيئًا إيجابيًا. وجدت أنه لا بد أن يكون هناك تغيير، فكنت أنا الوردة التي تخرج من فوهة البنادق بدل الطلقة، وبدلت الخوف إلى أمان. لذلك كان من الضروري أن أخلع ثوب الحزن والإحباط وأبدأ التغيير من نفسي.

لماذا لم يظهر مشروع فني جماعي واضح يوحد الفنانين في دول عاشت الحروب؟

بعد الحرب ظهرت انقسامات كبيرة جدًا، واصطفاف وميول سياسية واضحة، وهذا ما جعل الأمر صعبًا قليلًا. أنا فنانة سلام، لا أغني للحرب ولا أدعم الحرب بأي شكل من الأشكال، لكن الفكرة موجودة منذ زمن، وسنعمل عليها بإذن الله تعالى.

هل تعرضتِ لضغط لكي تتخذي موقفًا معينًا؟                

نعم، هذا الضغط جاء لأن البعض أراد أن يضعني في خانة سياسية محددة. أنا لا أريد أن أُختزل في السياسة، كما أنني لا أفهم فيها. “أنا زولة غُنا ساي.” ليس لأحد الحق أن يجبرني على الانتماء إلى جهة معينة، وأرفض إدراجي في السياسة. أنا فنانة وطنية سودانية حرة، حيثما يوجد الحب والسلام والفن توجد ريماز المليح.

في نهاية الحوار تبدو ريماز المليح فنانة لا تتعامل مع التراث كزينة غنائية، بل كهوية وذاكرة ومسؤولية. لا ترفض الحداثة، لكنها ترفض أن تكون الحداثة قطيعة مع الجذور. وبين صوتها وإيقاعها وحضورها، تقدم مشروعًا فنيًا سودانيًا يعرف من أين جاء، وإلى أين يريد أن يمضي. وفي زمن الحرب، تختار أن تكون كما وصفت نفسها: وردة تخرج من فوهة البنادق، وصوتًا يحاول أن يبدل الخوف إلى أمان.

شارك على
Comments (0)
Add Comment