الورقة المقدَّمة في ملتقى السرد العربي حول مناقشة رواية متاهة الأفعى للكاتب المعز عبد المتعال
متاهة الأفعى: حين يتحوّل الندم إلى عذاب داخلي وتدخل متاهة التية
أماني محمد صالح
تقدّم رواية «متاهة الأفعى» تجربة مشحونة بالقلق النفسي والتمزف الداخلي، حيث لا تدور الأحداث حول صراع تقليدي بين الخير والشر، بل تنزلق إلى منطقة أكثر قتامة: صراع الشر مع ذاته داخل شخصية البطل. نحن أمام نصّ يشتبك مع أعماق النفس البشرية، ويكشف كيف يمكن للإنسان أن يتحوّل إلى متاهة مغلقة، كلّما حاول الخروج منها ازداد تيهًا.
يتجلّى البطل (أمجد) بوصفه نموذجًا لشخصية ممزقة، محاصرة بتأنيب ضمير لا يقود إلى الخلاص، بل إلى مزيد من الانحدار. فكل فرصة توبة تلوح في الأفق، سرعان ما تتحطم أمام عناده الداخلي، وكأنّه مدفوع بقوة خفية نحو إعادة إنتاج خطيئته الأولى بأشكال أكثر قسوة وتعقيدًا. هنا تتجلّى رمزية “الأفعى” لا ككائن خارجي، بل كصوت داخلي متلوّن، يهمس ويقود ويغوي، فيغدو البطل أسيرًا لدورة مغلقة من الذنب والإنكار.
وتتعمّق هذه المتاهة من خلال البناء النفسي للشخصية، حيث يوظّف الكاتب السرد بضمير المتكلم ليجعل القارئ شريكًا في هذا الصراع الداخلي، لا مجرد متلقٍ له. فنحن لا نرى أمجد من الخارج، بل نغوص في وعيه المضطرب، نلمس تردده، ونشهد لحظات انكساره، دون أن نملك القدرة على إنقاذه. وهذا ما يمنح الرواية بعدًا إنسانيًا قاسيًا، يجعل القارئ في مواجهة مباشرة مع سؤال أخلاقي: هل يكفي الندم للخلاص، أم أنّ بعض السقوط لا رجعة منه؟
على مستوى البناء الاجتماعي، لا تكتفي الرواية بتشريح الفرد، بل تمتد لتكشف هشاشة البنية الأسرية وتأثيرها في تشكيل الانحراف النفسي. فالعلاقة الباردة بين الوالدين، والفراغ العاطفي الذي نشأ فيه البطل، يبدوان كأرضية خصبة لانحرافه، في إشارة واضحة إلى أنّ الجريمة ليست وليدة لحظة، بل نتاج تراكمات معقّدة من القهر والإهمال والتفكك.
ومن اللافت أيضًا اعتماد الكاتب عدم التركيز في الوصف الخارجي، مقابل التوسّع في الوصف النفسي، مما يفتح المجال أمام القارئ لإعادة تشكيل الشخصيات وفق مخيلته، ويعزّز من طابع الغموض والتأويل. كما أنّ اختيار نهاية مفتوحة لا يمنح إجابة حاسمة، بل يترك الباب مشرعًا أمام احتمالات متعددة، في انسجام مع طبيعة “المتاهة” التي لا تقدّم مخارج واضحة.
في المحصلة، تطرح الرواية سؤالًا مركزيًا للنقاش:
هل كان أمجد ضحية لظروفه، أم شريكًا واعيًا في سقوطه؟
وهل يمكن للإنسان أن ينجو من ذاته، إذا تحوّلت ذاته إلى متاهة؟
بهذا المعنى، لا تقدّم «متاهة الأفعى» حكاية بطلٍ ضائع فحسب، بل مرآة لاضطراب أوسع، حيث يتقاطع النفسي مع الاجتماعي، ويتحوّل الضمير من قوة للنجاة إلى أداة للعقاب الذاتي المستمر.
تناول المرأة في الرواية…
تقدّم الرواية صورة مكثّفة لوضع المرأة داخل هذا العالم المختل، حيث تتوزع شخصيات النساء بين ضحايا للعنف المباشر، وأخريات أسيرات لبُنى اجتماعية قاسية تكبّل حريتهن. من (وفاء) إلى (ياسمين) إلى (أحلام) و(إنتصار)، تتكرّر الهزيمة بصيغ مختلفة، لتكشف الرواية عن اختلال عميق في ميزان القوة بين الرجل والمرأة، وتفضح ازدواجية المعايير الأخلاقية داخل المجتمع.
تُجسِّد الرواية واقعًا اجتماعيًا مأزومًا تعيشه الأنثى، حيث تتكشّف ملامح العجز والخوف من مؤسسة الزواج، وما يحيط بها من احتمالات الطلاق التي تُحوِّل الحياة إلى ساحة تهديد دائم. تبدو المرأة في هذا السياق مقيّدة بقوانين وأعراف تسلبها إرادتها، وتحرمها من استقلالها الفكري والمادي، فتغدو أسيرة صورة اجتماعية صارمة لا ترحم.
ويتجلّى هذا بوضوح في شخصية أحلام، التي تتهاوى أحلامها بالكامل لمجرد تفكير زوجها مدثر في الطلاق، فتعيش رعبًا مزدوجا من الانفصال ذاته، ومن نظرة المجتمع القاسية للمطلّقة. إنها حالة من التقييد الكامل، حيث لا تملك المرأة حق تقرير مصيرها، بل تُساق إليه قسرًا.
وفي المقابل، تظهر إنتصار بوصفها نموذجًا آخر للهزيمة الأنثوية؛ سجينة حب قديم، تختزل مأساتها في صرخة واعية تعبّر عن التناقضات المفروضة عليها كامرأة في المجتمع السوداني:
“أنا أنثى يا أمجد… يُطالبني المجتمع أن أكون خادمة ومثقفة، واعية وشريفة، وأن لا أحب لأن الحب إثم، وأن أتزوج بلا حب، وأن أستمر في زواجي لأن الطلاق كارثة… كيف يتحقق كل ذلك؟!”
هذا الصوت الأنثوي يكشف عن عبء التوقعات المستحيلة، حيث تُطالَب المرأة بأن تجمع بين أدوار متناقضة في زمن محدد، دون أن يُسمح لها بهامش إنساني للاختيار.
ولا تقف الرواية عند حدود القهر الاجتماعي، بل تتجاوزها إلى تعرية التناقض الذكوري الحاد، كما يتجسد في شخصية أمجد، الذي يمارس أقصى درجات العنف والازدواجية؛ فهو يطالب أخته بإثبات عذريتها، مختزلًا قيمتها في جسد، في حين أنه ذاته مُتورِّط في جريمة اغتصاب وقتل. هنا تتجلّى بوضوح حالة الانفصام الأخلاقي، حيث يُمارَس القمع باسم الشرف.
أما ياسمين، فتمثّل ضحية أخرى لحبّ زائف، تُترك في نهايته لمصير مجهول وهي تحمل جنينًا، بعد أن عاشت وهْم علاقة كانت تُبثّ فيها السموم تحت مسمّى الحب..
. في حين تقدّم أنجلينا نموذجًا مختلفًا؛ امرأة دفعتها الحرب من جنوب السودان إلى هامش الحياة، لكنها رغم قسوة الواقع تتمسّك بكرامتها، رافضة أن يتحوّل جسدها إلى سلعة، ومعلنة بوعي عميق: “ديانتي هي كرامتي”.
تبيعين الخمر وتحرّمين الجنس، فما جدوى الخمر؟.
قالت باعتزاز:
أبيع الخمر كي أعيش بكرامة والكرامة هي حفظ الجسد وعدم بيعه.
قلت لها، وأنا أُمعن النظر لفخذها الأبنوسي رافضًا المبدأ:
– لن تبيعيه، ستمنحيه لي؛ فأنا أيضًا أكره البيع، ولا طاقة لي على الشراء.
قالت وهي تضحك:
– بالأمس لم تدفع ثمن الخمر، واليوم تطالبني بجسدي.
– ما ديانتك؟
– ديانتي هي كرامتي.
– ماذا تعبدين؟
– الأبقار.
– ما رأيك بثور هائج مثلي؟.
ضحكت كثيرًا، وقالت:
– لا رغبة لي بثورٍ أو خروف، أنا إنسانة يا (أمجد)، إنسانة، ولست بقرة، أحتاج صديقًا مثلك، صديقًا يؤمن بي كإنسانة، لا كبقرة تحتاج لثور.
كانت “أنجلينا” جريئة، مثقّفة، ومتعلّمة، لكنها حزينة، حزنها مُبهم، حزن به عتاب على الحياة، ورغبة غامضة في الإنتصار، وكنت أنا محض ثور هائج، تشابه عليه البقر.
تقدِّم الرواية، من خلال هذا التنوّع في النماذج النسائية، بانوراما قاسية لهزيمة الأنثى، تبدأ من وفاء ولا تنتهي عند ياسمين، حيث تتكرّر دائرة الألم في كل علاقة. فالبطل، في كل مرة، يؤذي من يحب، ليُفقد الجميع الإحساس بالأمان، وكأن المتاهة ليست مجرد عنوان، بل قدرٌ يتكرّر، تتوه فيه النساء بين القهر العاطفي والاجتماعي، دون مخرج واضح.