سيدة الليمون! … بقلم: د. سيد شعبان
ابتدرني ولدي:
هذه الأشجار صارت بلاثمر؛ ترى ما الذي أصابها؟
ذهب من كان يعتني بها؛ ينحني منجل حصاد يلملم شعثها ومن ثم نبتاع بحباتها أرغفة الخبز وقليلا من اللحم؛ كنا نقتات على عرق يديه!
أطرقت واجما؛ يتساءل الصغار بعد رحيل الأجداد عن كثرة الثعالب؛ لقد كانوا ياولدي يحرسون الأبواب؛ ينثرون البركة في كل مكان حاولت أن أجيبه؛ غلبتني دموعي!
بعدما ارتحل الطيب كانت الحرباء تسكن أشجار الليمون تتلون بألف لون؛ كشفت الجدة اليد الآثمة التي حاولت غدرا أن تنتهب بيته؛ كم كان الجرح غائرا!
عاق؛ كثيرا ما عصاها؛ مثل أفعى تخدع وحرباء تتلون؛ ليته كان أنثى؛ لم تنذر ما في بطنها للرب؛ ترى لوفعلت هل سيكون وليا؟
مضت الأمنيات في زمن البراءة؛ صار ذئبا؛ ثمة طريق لو امتلأ قلبه بالحب!
الآن صارت أشجار بني زهر بلاثمر؛ أنشب فيها الخشاب أنياب منشاره؛ ترى هل فعلوا به مثلما فعل بالأغصان؛ لقد صارت حطاما!
نحتاج أعواما لتنمو أشجار أخرى؛ هذا غرس الجد منذ ثلاثين عاما؛ هل يأتي الأحفاد ليجدوا أثره؟
أبقيت شجرتين؛ ليمر بهما العابرون وقد تحسسوا وقع أقدام الأجداد! ريما يقولون هنا كان جدي؛ يدور الثعلب في كل مكان؛ أن ينال مابشتهي؛ كانت الطيبة تحذره؛ أوصتني أن أكسر رجليه بالعصا؛ ينفخ بطنه؛ يتماوت حتى يخدع البلهاء؛ صارت أشجار الليمون بعدك يا أمي بلا ثمر؛ فالحياة بعدك في مأتم!
جاءني طيفه؛ يمسك بعصاه؛ يضرب بفأسه في الأرض؛ يخط شتلات الياسمين؛ كان ممتليء الوجه؛ يبتسم في سعادة؛ أخبرني بأنهما معا؛ يأتيان مطلع الفجر؛ يخطوان بين الأشجار؛ يتماوجان بهاء مع نسائم ليل يتراقص فيه ضوء القمر!
ترى ما أفعل بعدهما؟
لاشيء!
ازدادت الثعالب من حولي؛ علي أن أكثر من كلاب الحراسة؛ ترى كيف آتي لها بأرغفة الخبز؟
لقد توقفت السفن في بحر آزوف؛ حاصرها الروس؛ لن يجد الصغار أوعية اللبن؛ ألم أخبركم أن لعنة حلت بالأرض!
أخذتني سنة من النوم؛ أتت في يديها حفنة من قمح؛ أوصتتي أن أنثرها في ذلك المكان؛ ستنبت في كل سنبلة مائة حبة؛ ستغدو صفراء مثقلة بحملها؛ تزقزق لأجلها العصافير؛ تثغو الحملان؛ توقد النيران فسوف تخرج خبزا شهيا؛ تفر الثعالب هاربة؛ لأن الأمهات يتربصن بها؛ يوما ستشرق شمس يوم بلا خوف؛ لن يختزن الناس علب النار!
انتبهت فإذا بصوت المذياع:
بعد أيام يقدم زمن الحصاد!