لغتنا الجميلة: من يحب اللغة العربية
بقلم: د. هاشم غرايبه
من يحب اللغة العربية، يجد ضالته في القرآن الكريم، فهو محيط هائل من البلاغة في المعنى، والجمال في المبنى.
مما أبهرني دلالات استعمال الفعل الماضي والمضارع في قوله تعالى: “وَمَنْ يَشكرْ فِإنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفرَ فِإنَّ اللَّهَ غِنيٌّ حَمِيدٌ”.
نلاحظ أن الشكر هنا ورد بلفظ المضارع، فيما ورد الكفران بالفعل الماضي (ومن كفر).
إن من روائع النحو في اللغة العربية أن أي تغيير في بناء اللفظة أو موقعها، يؤدي معنى خاصا آخر، فعندما يسبق الفعل الماضي بأداة شرط يتحول الى فعل مستقبل، مثال: (إذا جاء نصر الله والفتح)، فالفعل الماضي (جاء) أصبح يعني (عندما يجيء)، أي أن النصر والفتح استقبال.
كما أن الفعل الماضي بذاته يدل على إخبار بوقوع حدث، والذي وقع مرة وانتهى وقوعه، أي أنه غير مستمر الحدوث، لكنه قد يكون قابلا لأن يحدث من جديد إذا سبقه أداة شرط، مثل : من جدّ وجد ومن زرع حصد، فهنا لم يعد الفعل الماضي يعبر عن فعل وقع في الماضي وانتهى، بل عن فعل قد يحدث في المستقبل كلما توفر شرطه.
لكن يبقى التساؤل عن الحكمة في ذكره تعالى الشكر بصيغة المضارع فيما الكفر بصيغة الماضي، وماهي دلالة اختلاف الزمنين للفعلين مع أنهما شرطيان، ومرتبطان بحالة واحدة وهي اختيار الإنسان واحدا من خيارين؟.
يقول الدكتور فاضل السامرائي في تفسير هذه المسألة، انه من تتبعنا للتعبير القرآني نجد أنه إذا جيء بالفعل الماضي بعد أداة الشرط، فذلك الفعل يُفعل مرة واحدة أو قليلا، وما جاء بالفعل المضارع يتكرر فعله.
مثال: ” وَمَنْ قتل مُؤْمِنًا خطًأ فَتَحرْيرُ رَقبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَة مُسَلَّمَة إَلى أهْلِهِ إلَّا أن يَصَّدَّقُوا”، وبعدها في الآية التالية قال:
“وَمَنْ يقتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدًا فِيهَا”، فعندما ذكر القتل الخطأ جاء بالفعل الماضي لأن هذا خطأ غير متعمد، إذن هو ليس معتادا فهو لا يتكرر، وعندما جاء بالقتل العمد جاء بالفعل المضارع) ومن يقتل)، لأنه ما دام القتل متعمدا، فمن الممكن تكراره إن سنحت الفرصة، فجاء بالفعل المضارع الذي يدل على التكرار.
كل عمل تفعله تريد الثواب، فهو إذن يتكرر والشيء المتكرر جاء به بالمضارع يشكر، فالشكر يتكرر لأن النعم لا
تنتهي، فكلما أحدث لك نعمة وجب عليك أن تحدث له شكرا، أما الكفر فهو أمر واحد حتى إن لم يتكرر، فإن كفر الإنسان بأمر ما فقد انتهى الى قناعة بذلك فاستقر قراره على الكفر ولا يحتاج إلى تكرار، أما الشكر فيحتاج إلى تكرار، لأنه تعبير عملي عن الإيمان، ولأن النعم مستمرة متواصلة ولا تنتهي.
وفي ذلك إشارة إلى أن الشكر ينبغي أن يتكرر وأن الكفر ينبغي أن ينقطع، فخالف بينهما في التعبير فجاء بأحدهما في الزمن الحاضر الدال على التجدد والاستمرار وجاء بالآخر في الزمن الماضي الذي مضى وانتهى.
ولما كان الشكر سمة الإيمان، فإن من دلالات ذلك أيضا، أن الكفر حالة جامدة ميتة لا تنمو ولا تتطور، بينما الإيمان حالة حية متجددة تنمو وتترعرع.
لذلك نستنتج أن العقل الكافر ميت لكن ممكن أن تدب فيه الحياة ان آمن، لكن عقل المؤمن يبقى حيا، لأن من ذاق حلاوة الإيمان لا يعود الى الكفر.
أما لماذا جاءت حالة الشكر مسبوقة بإنما، التي تفيد الحصر: (فِإنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ)، فلكي تؤدي المعنى من أن الشكر لا يفيد إلا صاحبه حصراً، فالله سبحانه غني عن الشكر، ولا يرتقي منزلة بشكرعبيده ولا تضره معصيتهم، بل هم من يرتقون الى أعلى عليين أو يسقطوا الى أسفل سافلين.
لذلك جاء بعدها: “فِإنَّ اللَّه غِنيٌّ حَمِيدٌ”، بجمع هاتين الصفتين الجليلتين ونسبتهما الى ذاته العلية، فالغني هو المكتفي بذاته غير المحتاج لغيره، والحميد أي المحمود على وجه الدوام والثبوت.
والكمال البلاغي يقتضي جمع الصفتين معا، لأن الغنى البشري مكتسب، لذا لا يرافقه عطاء بمستواه، خوف زواله، فلا يكون الغنيّ هنا محمودا، بل محسودا على غناه، ممقوتا لبخله.
أما غنى رب العالمين فهو أصيل متحقق من كونه مالك كل شيء ملكية مطلقة، فلا ينقصه إنفاق ولا يتلفه عطاء.