قضية الشعر السوداني المعاصر: آه من الآسن قتلني الركود
بقلم: عبدالله علي ابراهيم
هذه رسالة من صلاح أحمد أبراهيم إلى حامد حمداي رداً على سؤال له، وقد صار محرراً للأدب بجريدة الصحافة في أوائل الستينات، عن قضية الشعر السوداني. وحمداي ممن تعلموا في مصر في الأربعينات. ومذكور في ميداننا أنه جاء منها إلى بورتسودان بكتب ماركسية أهدى منها لرفيقنا هاشم السعيد العامل يالسكة الحديد والناشط في حزب الأمة والخريجين ومراسلة الصحف. ولما نقلوه إلى عطبرة في أخر الأربعينات حملها معه. وسكن في ميز عزابة فيه من خريجي مدرسة السكة الحديد للصنائع الجزولي سعيد ومحمد عثمان جمعة و جمبلان. وكان يغشاهم الحاج عبد الرحمن نائب سكرتير اتحاد نقابات العمال في الستينات. فتداولوا تلك الكتب بينهم حتى سمع بهم، في سياق تصاعد الحركة العمالية، قاسم أمين والشفيع أحمد الشيخ من خلية حركة حستو الماركسية بالمدينة فدعوهم للانضمام اليهم، فلبوا وصاروا نجوماً في حركة العمال والشيوعيين.
عزيزي حمداي
أود أن أُهنئ قراءك بمحرر أدبي مقتدر مثلك. فآفة صفحاتنا الأدبية، ومن ثم قرائها ومنتجعي توجيهها، محرروها. ذلك أن الكثرة ممن تواتروا عليها ليسوا بقراء ممتازين للأدب ناهيك أن يكونوا أدباء وموجهين.
فالادعاء، وسقم الذوق وخطل المقاييس والتحيز والجهل المدقع هي حقائقهم التي يخفيها بمكر لحاء المعرفة الجزئية البتراء، وإن كانت تنز على حروفهم كما هو ناموس الضغط الغشائي.
فأهلا بك محارب قديم في سبيل الكلمة، وأهلاً بك من دارس متمرس وناقد حصيف.
لقد سألتني ياصديقي أمراً إداً، والقضية بعد تتشعب طرائق قدداً، وصلاح كلما أوغل قراءة كلما استشعر الفضيحة من جهله، وكلما تأمل حالة شعرنا وشعرائنا كلما أمعن هتافاً مع صاحب (بلوتولاند): آه من الأسن، قتلني الركود وذباب عنترة الأمدرماني يحك ذراعه بذراعه ثملاً كفعل الشارب المترنم، فكيف لنا أن نفكر، وأن نكتب، وأن نصوغ أرفع العواطف شعراً. ولئن منعني التواضع من تناول القضية على مستواها العام وبشكلها الموضوعي فلتستميحني عذراً أن أتحدث عما أعرف وعمن أعرف: قضية صلاح نفسه مع الشعر.
حين نشرت ديوان غابة الأبنوس توقعت نقداً يعطى بمقدار ما أعطى الديوان. ولقد قام بعض النقاد بمحاولات صادقة كنت أنت منهم، تناولوا بعض مافي الديوان من جوانب باهتة أو واعدة، ونال الديوان عن طريق أولئك وآخرين نقاشاً وصيتاً رغم محدودية المواضيع التي أحاط بها. ولكن ذلك النقد لم يكن كافياً كما أظن. فقضايا كثيرة مسها الديوان بطريقة مباشرة كان يمكن أن تُجلى وتستجلى، قضية التعبير والجو والخلفية السودانية، قضية التزاوج بين المعرفة والتعبير، قضية (التناول البراني) كما أثارها ناقد مجلة شعر البيروتيه لديواني الخ الخ… لم يتعرض لها ناقد محلي لقد فكرت أن أتناولها أنا: أن أنقد نفسي بنفسي يا للادعاء! ولئن ابتعد إليوت في كل ماخلف لنا من نقد عن نقد شعره لاعتقاده بأن ليس من اللياقة ذلك فإن عزائي الوحيد أن صاحب “أوراق العنب” قد فعل، وما يفعله الكبار يحتذيه الصغار – ولا إيه؟
ولقد استمرت تمريناتي الشعرية بعد الديوان. ولكن كم يحز في نفسي أن قصيدتي “أوديب ملكاً” أو حتى “بين النيل والكونغو” لم تصل إلى القراء لأنني لا استطيع أن أنشرها، لأنني أخاف، أجل لأنني أخاف، هذا بينما حذفت “الرأي العام” بضعة أبيات من قصيدتي التي نشرتها “باتريس لوممبا” دون استشارتي لأنها تخاف. أهذه قضية صلاح أم أنها قضية الشعر السوداني بعامة. أما مجلة “صوت المرأة” فإنها اعتذرت عن نشر أجمل قصائدي “ثلاثية للوممبا” لأنها أطول مما تحتمل صفحاتها – آه من الأسن قتلني الركود.
ولقد أرسلت إلى الشاعر جيلي عبدالرحمن بالقاهرة ليبحث إمكانية طبع شعر سياسي ولكنه لم يرد ربما لكي لايصدمني الرد. ولقد كففت عن المحاولة مؤقتاً. ولكن إحسان عباس – جزى الله احسان عباس – تطوع مشكوراً بذلك. إن أيادي احسان على الأدب السوداني لاتحصى ولاتعد، ونحن عبيد المعروف وان تسلط الجحود، ولكن احسان مرهق، لقد طبع ديواني من قبل، وطبع لعلي المك ولي معاً، وللطاهر عبدالكريم، وللزبير علي وخوجلي ولكجراي، وللمحجوب، وهو الآن يطبع لعلي المك ولخديجة صفوت الخ الخ. وحبيبك لو كان عسل ماتلحسوش كله. ولاتزال للرجل عليَّ ديون مادية غير تلك التي لا تقدر بالالف أو المليون. فكيف أجرؤ على سؤال من “لاؤه نعم”. أما أن أطبع هنا في الخرطوم فهذه رابعة المستحيلات وأنا المسكين الذي لايملك قوت يومه.
أرسل “ييتس”، أعظم شعراء الانجليزية وأحلاهم صوتاً، ديوانه إلى عزراً باوند، وكان “ييتس” آنذاك في العشرين. ولكن الفتى رد ديوان الشيخ لصاحبه في البريد التالي مرفقاً ببطاقة فيها كلمة مفردة: مقرف. هذه هي معركتنا اليوم. والذين يهاجمون شعرنا الحديث لايملكون الخيال ولا البصيرة القارئة. في نفس الوقت “قضايا الفن والأدب” لماوتسي تونغ لايغطي إلا الصين في عرام ثورتها. والتلموديون يخطأون ان أرادوا أن يجعلوا منه الكلمة النهائية في الأدب. نظرية الأدب السوداني تصنع في السودان. وفي خلال العثرات التي تصلح المشي في علاقة تلك العثرات والمحاولات بالواقع المحلي، والقوى المحلية والمميزات المحلية، دون تقليل لما “يستورد من الخارج” أعني التكنيك الأجنبي،.على أننا نتخبط فواقعنا لايزال سديماً عائماً “وبروتوبلازم” تحت التشكيل. ونحن الآن نصنع التقاليد الأدبية فلا يكفي أن نتسول ادباء مصر والعراق ولكن امكانياتنا ، ونحن كشعراء لا نلتقي إلا لماما، لكي نقرأ لبعض، ونقرأ مع بعض، وننقد بعضنا بعضا. والشعر في بلادنا نافلة، من يهجره لايجد مؤنباً ومن يفي له لا يجد مكرماً ومثيباً. ومع ذلك علينا أن نغمس لقمتنا في تراب الأضابير وغبار الملفات، وأن نرتفع فوق نقاش علاوة المعيشة ومربوط الدرجة لكي نعصر الخمرة المقدسة شعراً: آه من الآسن قتلني الركود.