تسقط .. بس
سار على الطريق الذي يربط بين القلب والوطن والذي يمتد من التكوين الأول إلى اخر مسار من انفاس الانسان الحر. حمل كل القيم العليا على كتفيه . الخطوة الأول صوت الشوق إلى الارتقاء بروح الوطن .
تقاطر الناس من كل فج نبيل ليشهدوا أن الأرض يرثها أصحاب الذوق والاخلاق , مئات من الذين يعرفون لون الشمس .. تزايدوا كحبات البرد .. لا يعرفون بعضهم ولكن شريانهم واحد والرئة سراج الروح . سار الموكب الأنيق على طرقات المدينة المظلمة بفعل العسس , لم يكن للموكب ظل , فلقد انعتق من كل القوانين ليكون الحقيقة .
انضم الى الموكب أطفال المدينة ونسائها , ساروا بشموخ , فقضيتهم أكبر من الانكسار وصوتهم أعلى من فرقعات الدٌمي .
حرية , سلام وعدالة والثورة خيار الشعب
سلمية سلمية ضد الحرامية
هتافات ترددها حتى الطيور والاشجار والرمال , يتقدم الموكب , والهتاف سيمفونية , عربات العسكر تحيط بالموكب من كل الاتجاهات إلا اتجاه الجسارة فلم يستطيعوا تطويقه . الهراوات ترتفع , الغاز المسيل للدموع , الرصاص .. كل شيء يرتفع إلا قيمة الانسان .. يطاردون المتظاهرين عبر الطرقات , يضربون بكل ما ارضعوا من قسوة .. الرصاص يخترق الصدور .. ينطلق من السلاح على استحياء , يعبر المسافة من نقطة الانطلاق الى الاجساد المتزينة بالسلم .. تستقر الرصاصة حيث أرادها العسكر ولكنها لم تصب إلا الجسد فالروح قد صعدت وتناثر عبقها وسكنت على ذرات الوطن .. الرصاصة تزهو أنها قد لامست جسداً نقياً وتمني نفسها بالصعود إلى عالم البقاء ..العسكر يطلقون الرصاص بكثافة فيصيب الناس فيرتد عليهم لعنةً تخترق أجسادهم فيهبطوا إلى مدرسة قابيل . تسير سيارات الموت بسرعة جنونية لتدهس من تجده , فالمتظاهر مجرم حتى يقول أن الظالم ربه الأعلى .. إمراة سبعينية تقف على باب بيتها ترفع الأكف إلى السماء لينقشع الالم ,, تهتف في سرها , فتسمعها خيوط الخوف المعلقة على اذان العسكر .. يزداد هتافها في السر , صوتها يصعد إلى السماء فتتبعه بنادق العسكر , يصوبون القاذفات نحو الصوت , فتجد قاذفاتهم شهاباً وحجارة من صدق فتجعلها هباء منثورا .
خاف العسكر من صوت المرأة المكتوم , قرر كبيرهم وضع كل سوءته على البندقية لعلها تسكت صوتها , أطلق كل الرصاص الذي يضمره على المرأة السبعينية , اخترق كل جسدها .. لم تسقط أرضاً لأن السقوط لا يتناسب مع الاجساد التي عرفت أن الروح اسمى من الجسد , بل صعدت إلى صوتها الذي سبقها مردداً تسقط بس .