تأملات قرآنية … من سورة الإسراء
بقلم: د. هاشم غرايبه
يقول تعالى في الآية الأولى من سورة الإسراء: “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ”.
هذه الآية حافلة بالمعاني التي تنجلي بفهم الدلالات اللغوية للألفاظ، لذلك يجدر بالمتأمل فيها التوقف مليا للتفكر في دلالة كل لفظة، لكنني سأختصر مجملا بالمحطات التالية:
1 – سبحان: مصدر للفعل سبح، وتعني تنزيه الله عن كل ما يسوء، وتعظيمه وإجلاله، ونلاحظ هنا ايراد ذلك بمصدر، وليس بصيغة الفعل الماضي: سبّح، أو الحاضر يسبح أو الأمر سبِّح، ليعني دوام التسبيح، واستمراره غير مرتبط بزمان ولا مكان، وذلك لأن الحدث أنعم الله به على نبيه الكريم جلل، وكرّمه به دوناً عن كل البشر، ولذلك كرر اللفظة مرة أخرى في السورة ذاتها: “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا”.
2 – اسرى: من السرى وهو السير ليلا، وجاء إلحاق لفظة ليلا ليس حشوا زائدا ولا للتأكيد، بل تعني أن كل الحادثة جرت في الليلة ذاتها، إذ يمكن أن تعني (أسرى) أنها قد بدأت ليلا لكنها استمرت بعدها أياما، لأن المعتاد أن يستغرق السفر تلك الأيام الى القدس والعودة شهرين، لكن مجيء (ليلاً) دلت على أنها بدأت وانتهت في الليلة ذاتها.
3 – بعبده: لم يقل تعالى برسوله أو نبيه، لكي لا يذهب المسلمون فيما بعد إلى تأليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما فعل أهل الكتاب، عندما اعتقدوا إن إكرام الله لأنبيائه بولادة على غير الصورة المعتادة للبشر، أو إحياؤهم الموتى بإذن الله، أو معجزات تمت بعصاته، أو إماتته وإحيائه كالعزير، اعتقدوا بأنها دلالات شراكتهم مع الله بالألوهية، فأراد تعالى التأكيد على أن كل ما سوى الله عبيد له، لكن العبودية لله هي أعلى المراتب وتشرف العبد لأنها باختياره، وليست كعبوديته للبشر التي هي رضوخ بالإكراه مهين.
ونلاحظ أن الله تعالى يصف بها الصالحين: “نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ” [ص:44]، و: “إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ” [يوسف:24].
4 – الربط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى جاء لأنه تعالى جعلهما بؤرتان مباركتان للبشر جميعهم، حيث أرادهما الله لكي تكونا مع الديار المتصلة بينهما والمحيطة بهما البقعة التي تنزلت فيها كل رسالاته، وموطنا لأمته المؤمنة، فجاءت هذه المعجزة رابطة بين البؤرتين، لكي لا يفرط عباده المؤمنين فيها، لأن الله في سابق علمه يعلم أن أعداء المسلمين سيحاولون سلبهم إياها، كلما لمسوا فيهم ضعفا.
لذلك فمن يؤمن بالله ورسوله لن يهن ولن يستكين، بل سيستمر في الكفاح لاستعادة الأقصى، ومن يطبع مع محتليه فهو عاصٍ لله ومفرط بأهم ثوابت العقيدة.
5 – باركنا حوله: ولم يقل تعالى باركنا فيه، لكي يعلم المفرطون أن البلاد التي تحوي المسجد الأقصى كلها مقدسة، فيحافظوا على بقائها دارا للإسلام، وليست أرض المسجد فقط.
6 – لنريه: ولم يقل تعالى ليرى، فالرؤية خارج الكرة الأرضية والكواكب المحيطة لا تتحقق بغير انعكاس الضوء، ومن المعلوم أن الكون الخارجي مملوء بالمادة السوداء، لذلك وحتى لا يأتي المبطلون عندما يتقدم العلم ويعرفوا هذه الحقيقة، فيقولون كيف يرى الإنسان بغياب الضوء؟، لذلك قال تعالى أنه هو الذي يريه ولا يرى إلا ما يريد الله أن يريه، فأراه الله ما شاء من آياته الكبرى التي لم يرها لبشر قبله، ولا يمكنهم أن يروها مهما تقدموا علميا.
7 – إنه هو السميع البصير: بالطبع فسمع الله وإبصاره مختلف عما يعرفه البشر، لكنه ذكرهما لتقريب فهمهم للأمر، ودائما يقدم الله تعالى السمع على الإبصار، لأن سمع الإنسان محدد بمسافة معينة، لذلك يدرك ما يسمعه، لكن ليس كل ما يراه يدركه لأنه قد يرى على مسافة أبعد.
ولم يقل تعالى (السميع العليم)، لأن العليم تكون عندما يذكر الله أمرا يخفى على الناس، لكن الأمر هنا سيكون للرد المسبق على تكذيب المشركين لهذه المعجزة، فبين تعالى أنه يسمع أقوالهم ويرى أفعالهم لذا فهو حكما محيط بما سيقولونه أو يفعلونه.