تأملات قرآنية: من أكثر الآيات التي نحفظها هي آية الكرسي
بقلم: د. هاشم غرايبه
من أكثر الآيات التي نحفظها هي آية الكرسي، وهي الآية 255 من سورة البقرة: “اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ”.
قيل في هذه الآية الكثير دلالة على عظمتها وعلو قدرها، والمتأمل فيها لا تسعه مقالة، لذا فسأبدأ بأولها: “اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ”، وسأكمل بإذن الله في مقالين لاحقين التأمل في باقي الآية الكريمة.
حياة الإنسان قصيرة، تبدأ بصرخة تفرح والديه، وتنتهي بشهقة تحزن أهل بيته، يتخلق من ماء مهين، ويولد ضعيفا عاجزا جاهلا، ويتطور شيئا فشيئا، حتى إذا بلغ أشده، ظن أنه يملك كل شيء، وأن لن يقدر عليه أحد، ناسيا كيف كان بالأمس، وغافلاً عما سيصير عليه غداً اذا امتد به العمر الى أرذله، رغم أنه يرى مآله في آبائه وأجداده، فسوف يحذو حذوهم، وسيصير الى ما صاروا إليه، مرة أخرى كما بدأ ضعيفا عاجزا جاهلا ، ولا يعود يعلم من بعد علم شيئا.
فهل يرى في الأقدمين من باقية؟، أولم يغيبهم الثرى كسائر الخلق السابقين؟، أيعقل أن تستمر هذه الدورة وتتعاقب الأجيال، لو لم يكن من خلقها حي لا يموت، وباق يخلق بمقدار، ويميت كل مخلوق بقرار؟.
عنما أخبرنا تعالى بقصة الخلق الأول، بيّن لنا أنه خلق الأرض في يومين وقدر فيها أقواتها في أربعه، ليس ذلك بقصد تحديد الفترة الزمنية بل لبيان أن تأمين أقوات الخلائق تفوق أهمية الخلق ذاته.
القيوم تعني القائم على تدبير احتياجات كل شيء، والإحاطة بقيومية الله مسألة بالغة الصعوبة، بسبب تعدد الخلائق الهائل نوعاً وكمّاً واحتياجات، وكمدخل تبسيطي: لنتناول أبسط مستلزمات الكائنات الحية، سنجد أنها جميعا تلزمها ثلاثة عناصر، يجب توفرها بشكل دائم وكافٍ طوال حياتها وهي: الهواء والماء والغذاء.
لو حسبنا الكميات المطلوبة الواجب توفرها لما وسعتها الكرة الأرضية، ولو تم تكديسها الى عنان السماء، إن تأملنا في الماء اللازم للشرب للبشر فقط، واحتسبنا الكمية التي تحتاجها عائلة من خمسة أفراد في عام واحد لاحتاجت الى خزان حجمه عشرة أضعاف الحيز الذي تقطنه، فكيف لمدى الحياة، ولذريتها التي ستتزايد آلاف الأضعاف؟.
ولما كان الماء العذب يفسد بالخزن الطويل، لذلك خلق الله خزانات الماء الأساس في المحيطات بسعة ثلاثة أرباع الأرض، وجعلها مالحة حتى لا يفسدها التعفن، وجعل تبخرها سنويا بمقدار، وخزن الماء النقي جزء بسيط منه في المياه الجوفية، وأغلبه في غيوم تحيط بغلاف الأرض، لا تنفلت عنها فتضيع في الفضاء بفعل القوة الطاردة عن المركز الناجمة عن دوران الأرض، ولا هي تسقط على الأرض بفعل الجاذبية فتغرق البشر والشجر، لكنها بقدرة الله وبقوانينه الفائقة الدقة، تبقى معلقة “وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ”، ويصرفها الله لتنزل بمقدار نافع لكل الكائنات الحية.
والهواء أودع فيه غازات ضرورية للحياة، والتي ستنفد مهما كانت كميتها مع الاستعمال، لذلك جعلها متجددة فالكائنات الحيوانية تأخذ الأوكسجين وتخرج ثاني أوكسيد الكربون، بينما النباتية تعكس ذلك، فتبقى النسبة ثابتة.
وأما الغذاء فقد جعل الغطاء النباتي قوامه، ورتب تكاثره بحيث تبقى كميته توفي بالغرض، كما جعل الدورة الحيوية ضابطة بدقة لعدم تزايد نوع من الكائنات، سواء النباتية أم الحيوانية، فلا يطغى نوع على انواع أخرى، ولا ينقرض.
هذا التوازن الحيوي والبيئي دقيق، لا يفسده غير تدخل البشر: “ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” [الروم:41]، وبإمكان الخالق أن لا يمكنهم من ذلك الإفساد، لكنه يتركهم وما يفعلون، ليذيقهم وبال أمرهم، عسى أن يرتدعوا.
هذه صورة مبسطة عن قيومية الله تعالى بتنظيمه أرزاق الخلائق، وجعله في متناول كل مخلوق، يحصله بجهد قليل، كمياته محسوبة مضبوطة، لا يراكمها كسل الطالب عن طلبها ولا ينقصها كثرة الطلب، فلا تفيض فتفسد ولا تغيض فتندر.