تأملات قرآنية …. بقلم: د. هاشم غرايبه
يقول تعالى في الآية 107 من سورة الأنبياء، مخاطبا رسوله الكريم: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”.
لغويا فإن ورود الإستثناء (إلاّ) بعد النفي (ما) تعني الحصر والتقييد بما ورد بعد (إلاّ)، وهي هنا الرحمة للعالمين.
أي أن المعنى أن سبب نزول الرسالة التي كلف النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغها للناس جميعا، هي من باب محبة الله عز وجل للبشر، ورفقه بهم، إذ أرادها الخالق لتحقيق المصلحة المثلى للبشر المتمثلة بحياة طيبة في الدنيا، والسعادة الأبدية في الآخرة.
فبعد أن أسكن الله ذرية آدم الأرض واستخلفهم فيها، كان يعلم بسابق علمه أن أكثرهم لن يستخدم الأداة الثمينة التي زودهم بها من دون مخلوقاته وهي العقل، وفق ما وجدت من أجله، وهو الإستدلال بالموجود على الموجد، بل في تلبية الشهوات وتحقيق المنافع الأنانية، لذلك سيحتاجون الى الهدى والإرشاد: “قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ” [البقرة:38].
فعلى مر العصور، أرسل الله من البشر أناسا اصطفاهم برسالاته، أوحاها إليهم ليبلغوها، كلٌّ الى قومه، لذلك فكل رسول هو نبي لأنه يوحى إليه، لكن ليس كل نبي رسول، فكان الله تعالى يختار أيضا أنبياء من الصالحين، لم تنزل عليهم رسالة، بل أُمِروا بالدعوة لرسالة الرسول الذي سبقهم.
لقد سمّى الله الهدى الذي أنزله على البشر عبر الأنبياء والمرسلين بالرحمة، لأنها كذلك نفعا وتأثيرا، حيث جاء ذلك في قوله تعالى: “وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ . أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ” [الزخرف:32].
من هؤلاء الرسل كان أولو العزم، وهم خمسة اختصهم الله بحمل المهام الأصعب، وتحمل العنت الأكبر نتيجة إعراض أقوامهم عن دعوتهم، والصبر على أذاهم، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام.
لكن خاتم الرسل أجمعين محمداً صلى الله عليه وسلم، كان صاحب المهمة الأصعب، فكل رسول كان يرسل الى قومه إلاه، فقد أرسل الى قومه والى العالمين، أي كل البشر الموجودين في العالم آنذاك، وكل بشر قادم، منذ زمن البعثة الى يوم القيامة.
لذلك استحق أن يلقب بسيد المرسلين، ومن حقه علينا نحن الذين نلنا الرحمة على يديه، وقد هدانا وأرشدنا الى الصراط المستقيم المنجي والمسعد، أن ندعو الله ليل نهار أن ينيله مرتبة “الوسيلة”، وهي أعلى مرتبة ينالها إنسان، سيعطيها الله لواحد فقط من عباده يوم القيامة.
في كل عام في مثل هذه الأيام التي تذكرنا بمولد رسول الله، نجد المسلمين جميعا تزداد قلوبهم تعلقا بهذا النبي الكريم، ويستذكرون سيرته العطرة، وكم لاقى من الصعاب في سبيل تبليغه الدعوة، وتحمل وصبر حتى أمكن الله لهذا الدين فبات راسخا، ومصانا من أي تحريف بفضل جهود صحابته الكرام ومن تبعهم، فاتّبعناه فنجونا بفضل الله ورحمته.
ولأنه الذي أبلغنا هذه الدعوة فأنجانا بعد ان كنا على شفا حفرة من النار، نحبه ونجلُّه.
لكن هذه المحبة يجب أن لا تصل بنا الى المديح لشخصه بل لفعله، ولا يجب أن تصبح تغزلا وتشبيبا بجمال صورته أو مظهره، بل إعجابا بسجاياه وصبره وتضحياته.
إن ما يحدث في كل احتفالات بعيد المولد النبوي الشريف هو ما نهانا صلى الله عليه وسلم عنه، من مشابهة من سبقونا في تأليه أنبيائهم: “لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ”، لكننا نرى الإستغراق يتزايد سنة بعد أخرى، بالحديث عن معجزات التي رافقت حالة ولادة المصطفى، مماثلة لروايات النصارى، مثل النور خرج من بطن أمه الحامل ثم غمر الأرض ساعة الولادة، والنجم الذي ظهر في السماء، وما إلى ذلك من القصص التي لم ينزل الله بها من سلطان.
إن الله تعالى أكرم نبينا الكريم بأعظم من كل ذلك، وباق الى يوم الدين، فهو الوحيد من أنبيائه الذي يصلي عليه وملائكتُه، وأمرنا بذلك كلما ورد ذكره.
كما تعهد بأن يعصمه من الناس، فإلى اليوم لا يكاد يحاول أحد النيل منه، إلا وتجد المسلمين هبوا في كل البقاع يذودون عنه، فينكفئ الظالمون خاسئين.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.