تأملات قرآنية …. بقلم: د. هاشم غرايبه

 تأملات قرآنية …. بقلم: د. هاشم غرايبه

يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “شيبتني هود وأخواتها”، وجاء في تفسير ذلك قولان: الأول لما أوقعته هذه السورة في نفسه من المشقة والخوف، بسبب ما احتوته من قصص عذاب الأمم السابقة عندما كذبوا برسل الله، وإشفاقه أن يصيب ذلك قومه من شدة إعراضهم عن دعوته، والثاني قال به ابن عباس أن ما كان شاقا عليه هو قوله تعالى فيها: ” فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ”.

وقول ابن عباس أصح، بدليلين، الأول قوله تعالى “وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ” [الأنفال:33]، والثاني ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أُعلِمَ أن الإسلام سيبلغ أقاصي الأرض وستفتح بلاد فارس والروم، فكيف ستتحقق هذه البشارة إن أهلك الله قريشا والتي ستحمل الدعوة الى خارج الجزيرة؟.

في دلالات هذه الآية عدة محطات:

1 – استقم: هي فعل أمر والماضي منه استقام، وهو فعل خماسي مزيد أصله قام.

قام تعني أداء الفعل بنفسه، وأقام تعني اداءه على غيره، أما استقام فتعني طلب أداء الفعل، على وزن استنهض أي طلب منه النهوض، واستطعم طلب الطعام.. الخ.

إذن فالإستقامة طلب الأداء المستقيم، والسعي لتحقيق ذلك.

لكن يُفهم من ذلك أن الذي يُؤمرَ بذلك لم يكن مستقيما، لأن المستقيم لا يُقوّم.

فهل يمكن أن يطلب الله من النبي الذي هو أكثر الناس استقامة أن يستقيم أكثر؟.

بالطبع ليس الأمر كذلك فقد خاطبه تعالى بقوله: “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَۗ” [الأحزاب:1]، فهل يمكن للنبي أن لا يكون متقياً لله؟.

قطعا هو ليس كذلك، إذا فالمقصود هنا المؤمنون وبهدف دوام استقامتهم، أما إجمال النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر رغم أنه مستقيم مع من يقلون عنه استقامة وصلاحا، جاء ليكون ذلك قدوة لمن بعده من قادة المسلمين، فتطلب الإستقامة من القائد قبل أن تطلب من المقودين.

إن في هذا رد دعوى من يقول بواجب الرضوخ للحاكم وعدم مساءلته فيما يفعل ولو (جلد ظهرك)، فهذا الفهم أدخل على مفاهيم ولاية الأمر فيما بعد، وعلى يد شيوخ السلاطين ليسوّغوا استبدادهم، وليبرروا استفرادهم بالسلطة، فيما يكلف الشرع القويم الحاكم بالاستقامة، لتستقيم الرعية.

2- الإستقامة حددت هنا بـ (كما أمرت) أي وفق التعليمات التي تبلغتها، وهذا جاء من باب رحمة الله بالمؤمنين والتسهيل عليهم، فلو تركت الإستقامة على إطلاقها لما استطاع أحد إيفاءها حقها.

نستطيع أن نلم بمدلولات الاستقامة من استعراض لبعض الآيات التي وردت فيها: “إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا” [فصلت:30]، “قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا” [يونس:89]،”إنَّ هَذَا القُرْآنَ يهْدِي لِلَّتِي هِيَ أقْوَمُ” [الإسراء:9]، “فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ” [الكهف:77].

فمن مجمل هذه المعاني نستنتج أن المقصود بالإستقامة هو لزوم الدين القويم والثبات عليه، والعمل بمقتضى الشريعة.

3 – جاءت “وَلَا تَطْغَوْا” مكملة للأمر بالاستقامة، فالطغيان ومعناه تجاوز الحق، يفسدها، ويؤدي الى نتيجة معاكسة.

لذلك يكتمل معنى الإستقامة بالنهي عن المبالغة والمزاودة على الفعل القويم بالتطرف والتنطع، والذي يتجلى بالتجاوز على حدود الله، بتحريم بعض مما أحله الله، أو تحليل شيء مما حرم.

إن تحريم شيء من الحلال أكبر عند الله من التساهل، فالأصل هو المباح مالم يرد به تحريم، والذي يُحرّم هو الله فقط، فمن يجترئ على أن يشارك الله تعالى فيما اختص ذاته به فهو مشرك، لذلك قال تعالى مستنكرا هذا الفعل: “قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ” [الأعراف:32].

شارك على
Comments (0)
Add Comment