تأملات قرآنية … بقلم: د. هاشم غرايبه

 تأملات قرآنية … بقلم: د. هاشم غرايبه

لعل ما أحاق بالأمة في العصر الحديث، يفوق كثيرا ما لاقته عبر تاريخ صراعها الطويل مع المتربصين بها والطامعين بقهرها، فقد غزاها المغول واستباحوا حماها زمنا ثم زالوا، وهاجمها الأوروبيون في حملات صليبية متعددة ثم ارتدوا عنها خائبين في كل مرة.

فقد تآلفت كل قوى الشر المتصارعة، واجتمعت كلمتها لأول مرة في التاريخ في تحالف عالمي ، لاستهداف المسلمين علانية في سلسلة حروب متتالية.

ذلك كله جعل المتمسكين بجمر الصبر على الشدائد التي أحاقت بالأمة طوال القرن الماضي، وهم ينتظرون النصر الموعود، جعلهم يتساءلون بقلق: مالذي أخر وعد الله الحق بنصره أمته؟

لا شك أن الله ما أنزل هذا الدين لكي يهزمه الضالون، ولا كرّم هذه الأمة بحمله وتقديمه الى الناس جميعا، ليجعل النيل منها متاحا للغزاة، وديارها مباحة لكل طامع، إنما هنالك سنن كونية وضعها الله، لا محاباة فيها لمن أطاعه ولا لمن عصاه.

لقد أودع الله تعالى في القرآن الكريم تبيانا لكل مسألة وحلا لكل مشكلة، ونجد فيه أن وعد الله بنصر من ينتصر لمنهجه مؤكد: “وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ” [الحج:40]، لكن تحقق ذلك مرتبط بالأخذ بالأسباب، ووفق السنن الكونية: “وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ” [الأنفال:60].

عندما أتم الله نعمته على البشر بإنزاله آخر الرسالات السماوية مكملا بذلك الدين، اراده أن يبقى مرجعا وسبيلا سويا لمن ابتغى الفلاح واستعد للقاء ربه وفق ما يرضيه: “هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ” [التوبة:33].

لذلك فعلى المتمسكين بمنهج الله الاطمئنان الى استحالة دحره، فإرادة الله قاهرة لإرادة معاديه حتما.

إن الله يعلم أن المتمسكين بدينه سينالهم الضيم، ولن يتركهم الظالمون من جند الشيطان حتى يردوهم عن دينهم: “يُرِيدُونَ لِيُطْفِئوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهم وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ” [الصف:8]، لكنه أرشد المؤمنين الى سبيل النجاة من كيد هؤلاء الضالين المضلين: “وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ” [المائدة:56]، كما طمأنهم الى أنهم إن صدقوا عهدهم مع الله فإنه ناصرهم: “وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ” [الروم:47]، ولا قوة في الكون يمكنها أن تبطل وعد الله، فالنصر ليست أمرا تحققه القوة والغلبة فقط والتي هي بيد البشر، بل يلزمه عوامل كثيرة لا يمكن للبشر أن يحوزوها جميعا، إذ هي بيد الله: “وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” [الأنفال:10]، ويقدر الله هذا النصر وفق سننه وحسب تحقق متطلباته: ” وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ” [الحج:40].

كانت مرحلة إنشاء الدولة الإسلامية، تطبيقا عمليا لتلك السنن والأسباب، وقد أراد الله تصريف أحداثها والصراعات العسكرية فيها لتكون دروسا وعبر للمسلمين لكل الأزمنة والعصور.

فالتمسك بدين الله وموالاة الله ورسوله وعدم موالاة من يحادون الله ورسوله ولو كانوا ذوي قربى، التزم بها المسلمون، لكن الله لم ينصرهم في موقعتي أحد وحنين، فلماذا حدث ذلك رغم أن المعركتين كانتا بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم!؟.

نلاحظ أنه في “أحد” كانت هنالك مخالفة لأمر القائد، وفي “حنين” كان هنالك اغترار بالكثرة واعتقاد بأن التفوق العددي هو أساس النصر.

لذلك فكان رفع نصر الله عنهم ليتعلموا أن نصر الله لا يمنح إلا باكتمال كل متطلباته.

ولعل ذلك يجيب على السؤال: لماذا تأخر نصر الله لأمته..فهو موقوف الى حين استكمال المتطلبات الأساسية، وهي في هذا العصر ثلاث: حاكم عادل يحكم بما أنزل الله، وإخلاصه النية لدين الله، وعدم موالاة أعدائه.

شارك على
Comments (0)
Add Comment