تأملات قرآنية: القرآن الكريم كتاب لا نظير له
بقلم: د. هاشم غرايبه
القرآن الكريم كتاب لا نظير له، أنزله الله للبشر ليكون مرجعا لهم في كل شيء، وهو مصدر المعرفة المؤكدة الصحة، ومنه تستمد الأفكار وتنطلق الأفهام، وهو دستور ولا كأي دستور، فهو يجمل في القواعد ويفصل في التشريعات، من اعتمد عليه كفاه، ومن اتبعه وقاه.
سورة الحجرات من السور المدنية، لذا فقد كان التركيز فيها على بناء المجتمع المسلم المنضبط، ليكون عماد الدولة الإسلامية الراشدة، لذلك نجد فيها أهم القواعد السلوكية التي تبني الشخصية المسلمة، وباتباعها يتكون المجتمع الصالح في كل زمان ومكان.
ففي باب الصراعات السياسية، جاء الحكم في الآيتين: “وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ”.
فقد حدد حكم النزاعات الداخلية المفضية الى الإقتتال، ببساطة ووضوح، بأن تبدأ بمحاولة حل الخلاف سلميا وإلا مقاتلة الجميع للفئة الرافضة للحوار، لكن ليس بالقهر والاجتثاث، بل بهدف حثها على الالتزام بأمر الله الذي يمنع البغي والتنمر، ومن ثم قبول الصلح العادل، وعندها يتم إزالة الخلاف وعودة الجميع إخوانا متحابين.
ولو استعرضنا مشاكلنا السياسية جميعها لوجدنا أنها تعقدت بسبب عدم الإلتزام بهذا البرنامج الإلهي، وكانت قضية العراق والكويت من أهمها.
فلو كانت الأنظمة العربية إسلامية وتتبع منهج الله، لوجدت الحل في كتابه، لكنها لأنها جعلت أمريكا إلها يُتّبع من دون الله، فاتبعت ما أوحت إليها بأن تعقد المسألة قصدا، لكي تبرر للغرب تدخلهم العسكري، وعقد مؤتمر القمة المشؤوم في القاهرة عام 1990، لتبرير مقاتلة أنظمة الخليج ومصر وسوريا العراق تحت إمرة أعداء الأمة.
وكان ذلك السبب في انهيار الأمة وتشرذمها، فلو كان حكام الأمة يقرأون القرآن لاتبعوا منهج الحل الذي وضعه الله في كتابه، ولحلت المشكلة، ولما دخل الطامعون.
في مجال حفظ النسيج الإجتماعي للأمة من التفسخ، جاءت آيتان فقط لتحددا أغلب أمراض المجتمعات التي تفسد الود وتقطع الأواصر، وهما: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ،يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ”، وحددتها بما يلي:
1 – الغرور الذي يصيب البعض لعلم تعلموه أو مال كسبوه أو جاه حازوه، فيعتقدون بأفضليتهم على غيرهم.
2 – إطلاق الأسماء والألقاب الذميمة على الآخر بهدف تحقير الشخص والحط من قدره، أو على سبيل التهكم والسخرية كالذين يطلقون على من يخالفونهم في أفكارهم ألقابا غير لائقة محرّفة عما يسمون بها أنفسهم، مثل إطلاق نعوت: (إخوانجيه) أو (خوان) أو (قومجية) أو (داعشي)، وليعلم من يصرون على ذلك ولم يعودوا عنه، أن الله هددهم بأنهم الظالمون، وهي تسمية مرعبة لمن يخاف الله.
3 – اجتناب سوء الظن بالآخرين، والنميمة والتجسس على المؤمنين، سواء كان ذلك بهدف التعريض بأشخاصهم وفضح أسرارهم، أو كعمل مأجور للسلطة لمعرفة المعارضين لهم والبطش بهم، فجميع ذلك مما يغضب الله.
وتأتي الآيتان 18 و 19 من سورة لقمان، لتكملا معالجة السلوكات الفردية، بالحد من نقيصة التكبروالخيلاء، وبذلك تكتمل منظومة الأخلاق الحميدة، والمتمثلة باجتناب السلوكات الأربع:
أ- “وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ”.
ب- “وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا”.
ج- “وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ”.
د –”وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ”.
فأين هي القوانين البشرية التي تعالج هذه القضايا الهامة، وتضع لها الحلول الإستباقية؟
القرآن الكريم هو فقط الذي يعطي الوصفة لحل المشكلة قبل وقوعها، فهو يعالج قبل ان يتوعد بالعقاب، القوانين الوضعية لا تعالج بل تعاقب بعد ارتكاب المخالفة.
“فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ .أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ” [التين:7-8]؟.