تأملات قرآنية.. الآية 67 من سورة المائدة

تأملات قرآنية.. الآية 67 من سورة المائدة

بقلم: د. هاشم غرايبه

يقول تعالى في الآية 67 من سورة المائدة: “يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ”.

هذه الآية هي التي استند عليها كثير من الفقهاء في مسألة العصمة، وهي قضية نالت جدلا كثيرا، واستغلها كثيرون من ذوي الإربة والغرض، ليضفوا القداسة على اقوال نسبوها لبعض البشر.

المعنى المباشر للآية الكريمة واضح، مما لا يتيح تحميلها أبعاد أكبر، فهي خطاب مباشر وخاص برسول الله صلى الله عليه وسلم، بصفته الوظيفية التي كلفه الله تعالى بها: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ)، بأن ينفذ المهمة التي أمره الله بها وهي تبليغ ما أنزل وهو القرآن، وبذلك يكون قد أدى الواجب الذي أوكل إليه وهو تبليغ الرسالة السماوية الى البشر.

ولأن هذه المهمة عظيمة، وخطورتها كبيرة والمتمثلة بقوة وغلبة من سيقف بوجهها ممن ستتضرر مصالحه من انتشارها، لذلك جاء التطمين من الله بأن لا يخشى أذى من الناس، لأنه تعالى متكفل بحمايته منهم.

هكذا ندخل الى المسألة الدقيقة التي استند إليها بعض فقهاء المذاهب المتشيعة في أسباغهم التنزيه والعصمة على الأئمة من ذرية علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، فنجد أنه ليس هنالك من تنزيه في هذه الآية، ولا عصمة من الخطأ البشري حتى للأنبياء الذين اصطفاهم الله برسالاته، فعصمتهم كانت من الناس، وليست مطلقة، بل في مجال محدد، وهو تبليغ رسالاته.

لفهم مسألة العصمة نجد أنها منحة من الله لنبيه، وليست متكونة من ذاته، فالملائكة معصومون من ذاتهم لأن الله خلقهم بتلك الخاصية، أما الأنبياء فقد خلقوا كسائر البشر، وتجري عليهم السنن التي وضعها الله للبشر، فهم يجوعون ويعطشون ويتعبون ويمرضون ..الخ، والأهم من كل ذلك أن أحكامهم فيما يتعلق بمعيشتهم اليومية خاضعة للتحكيم العقلي والخبرات والتجريب، كسائر البشر، لكن فيما يتعلق بما أنزله الله عليهم، فذلك لا يخضع لتحكيم عقولهم ولا لعواطفهم، بل هي خاضعة لمعرفة خالصة أودعت في روعهم، فهي ليست عرضة للخطأ ولا للنسيان.

لذا فالمختلف عن باقي البشر هي أمور اختصهم الله بها، فمنهم من آتاهم الله الكتاب والحكمة وجعلهم مخلَصين، أي خالصين من كثير من المناقص والعيوب الخُلقية والذهنية والطباع الأنانية، كالميل والهوى واتباع الشهوات، حتى لا تتأثر جهودهم الدعوية، لكن لا يصل ذلك الى درجة التنزيه المطلق.

الأمر المهم أن ما كرم الله به الأنبياء لا ينتقل بالضرورة الى ذريتهم بالوراثة، لذلك فالقول بعصمة الأئمة، حتى ولو كانوا من آل البيت، ليس له أي سند شرعي.

الفرق المنحرفة هي التي خلطت بين التنزيه والعصمة، فلم يرد في كتاب الله تنزيه لأي من البشر، والعصمة متعلقة بمهمة تبليغ الرسالة، فكانت طمأنته هذه لرسوله الكريم بأن إرادته ستتحقق بإكماله الدين بهذه الرسالة الخاتمة، لذلك سيحميه من الناس أن يمنعوه من إتمام مهمته، سواء بأن يثبتوه أو يقتلوه، لكن ليس بجعل جسده لا تناله السيوف ولا العلل، فقد أدميت قدماه من حجارة التي رماه بها أهل الطائف، وجرح وكسرت سنه في أحُد، وكان ذلك لتبيان أنه ليس ملكا بل بشراً، لكنه صلى الله عليه وسلم، عندما أكمل تأدية رسالته وأتم مهمته، مرض ومات كسائر البشر.

في مسألة محدودية العصمة بما أنزله الله في روع المرسلين، وليس بما هو خاضع لتحكيمه العقلي، هنالك الكثير من الأدلة القرآنية، منها:

– “قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ” [الإسراء:فصلت:6].

– “وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ. لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ” [الحاقة:42-44].

– “عَبَسَ وَتَوَلَّى. أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى” [عبس:1-2]

– “لَّوْلَا كِتَٰبٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ” [الأنفال:68].

– “سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ” [الأنبياء:87]

حكمة الله اقتضت خلق البشر خطائين، فجوهر العبادة أن يستغفروا ويتوبوا، وحتى الأنبياء الذين لا يرتكبون المعاصي، فهم ليسوا معصومين من الخطأ في خارج ما أوحي إليهم، لئلا ينسوا أنهم عباد لله مكرمون، ولذلك أوصى الله تعالى نبيه الكريم: “وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ” [محمد:19]، و: “فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا” [النصر:3].

شارك على
Comments (0)
Add Comment