تأملات رمضانية … بقلم: د. هاشم غرايبه
المتفكر في قوله تعالى:” وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ “، لا شك سيتساءل عن الحكمة في ربط الله بين شقي الآية الكريمة: في الشق الأول يعد الرؤوف الرحيم عباده بتلبية حاجاتهم بمجرد طلبهم ذلك منه، وفي الثاني يتوعد العزيز الجبار من يستكبرون عن عبادته بالعذاب المذل.
ما العلاقة بين الدعاء والعبادة؟
في الحقيقة ان الموضوعين مترابطان، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم:”الدعاء مخ العبادة”.
الدعاء يعني حاجة المرء الى خالقه لتدبير شؤون حياته، والعبادة هي شكر العبد لله على نعمائه، إذن فالأمران في علاقة تكاملية دائرية، كل منهما يؤدي الى الآخر.
في الصلاة التي هي أهم العبادات، يفتتحها المرء بالفاتحة ويكررها في كل ركعة، وقراءتها هي الركن الأساسي الذي لا تقبل بدونه.
الفاتحة في حقيقتها دعاء، فهي بعد الإستفتاح بإسم الله الجليل وحمده، كونه ينفرد بالربوبية التي تعني أنه المتصرف الوحيد بشؤون كل العوالم، ما عرفناه منها وما لم نعرفه، نذكُرُ صفات الله الحسنى (الرحمن الرحيم) التي يتفرد بها تحببا، ونُذكّر أنفسنا بأن الأمر كله يعود اليه في يوم الحساب، لذلك لا ملجأ لنا منه إلا إليه، فهو الوحيد الذي نعبد والوحيد الذي نحتاج لعونه.
بعد هذه المقدمة، نتقدم له بطلباتنا، والتي هي في حقيقتها يمكن إجمالها في طلب واحد: الهداية الى الصراط المستقيم وهو الذي يحقق الفلاح في الدنيا والفوز في الآخرة.
إن تكرار هذا الدعاء في كل ركعة، وآناء الليل وأطراف النهار، يدلنا على مدى أهمية هذا الذي نطلبه، ومدى حاجتنا المتواصلة إليه، فقد قرن الله جزيل عطائه لنبيه الكريم به إذ قال: “لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا” [الفتح:2].
لا شك أن ما تقدم يدفعنا للتساؤل: إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي اختاره من بين كل خلقه لحمل رسالته الى كل البشر، وغفر الله له ما تقدم من ذنبه، وأتم نعمته عليه بأن وعده بأن يبعثه المقام المحمود الذي ينفرد بالوسيلة، والتي هي التشفع لدى الله، إذا كان قد نال كل ذلك، لكنه ظل يدعو الله أن يهديه الصراط المستقيم، ..فكم نحن بحاجة دائمة الى ذلك الدعاء العظيم المنجي من الهلاك!؟
يرشدنا ذلك الى جوهر العلاقة الإيمانية ومعناها، إذ هي احتياج دائم من المخلوق الى الخالق، وتنقطع هذه العلاقة عندما يتوهم المخلوق استغناءه وعدم حاجته، هذا الوهم بدافع الإستكبار وهو الضلال بعينه، إذ أن خثرة بحجم رأس الدبوس إن أغلقت شريانا تجعل هذا المتعجرف المستكبر مشلول الأطراف لا يستطيع قضاء حاجته بذاته.
الإنسان لا يطيق كثرة السؤال ولا يحب الإلحاح في الطلب، لكن الرزاق الكريم يحب ذلك من عبده، بل قد يصيبه مؤقتا بما يضيره ليذكره بما سهي عنه، فيسمع تضرعه، فيستعيد ما انقطع، وذلك هو مخ العبادة.