تأملات رمضانية … بقلم: د. هاشم غرايبه

 تأملات رمضانية … بقلم: د. هاشم غرايبه

المتمعن في آيات الذكر الحاكم لا شك سيلاحظ أن 1332 آية منه قد تناولت الآيات الكونية الدالة على وجود الله.

التساؤل الذي يفرض نفسه: لماذا خصص الله تعالى أكثر من سدس القرآن لإقناع البشر بوجوده، مع أن آية احدة كافية لإقناع العقل المحايد بذلك؟

الإجابة تأتي في فهم الدلالات العميقة للآية الكريمة: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ” [الذاريات:56].

العبادة ليست كما يتبادر الى الذهن مجرد أداء فروض ونوافل، فهذه من لوازم الإيمان ومتطلب للتعبير عن طاعة المخلوق للخالق.

أصل العبادة هو المعرفة، لأنه متى ما عرف المرء الله وآلاءه وأفضاله أحبه، ومتى ما أحبه حقا عبده، حيث أن أعلى درجات الحب هي العبادة.

لذلك كان العنصر الأول في العقيدة هي الإستدلال على الخالق بالعقل وليس بالحواس، ولهذا الهدف الجليل وهب الله الإنسان العقل، وهو ما ميز به البشر عن الدواب فهي لا يمكنها التعرف على الشيء إلا بالحواس أو بالفطرة، ومن هنا نفهم دلالة الربط في كلام الله بين الكفار والدواب، لأن عدم استعمالهم العقل فيما أوجٍب له، فكأنهم ألغوه، وبذلك فقدوا ما يميزهم عن الدواب، فتساووا منزلة وقدرا عند الله بها: “إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ” [الأنفال:55]، وفي موضع آخر كان وصفُهم: “إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً” [الفرقان:44].

إذاً فالمعرفة العقلية هي التي تميز الإنسان عن باقي الكائنات الحية والجمادات، والتي جميعها مخلوقات الله وتعبده تسبيحا لا نفقهه، لكن عبادتها ليست باختيارها، بل هي فطرت على ذلك، إنما الإنسان بما وهبه الله عقلا يميز ويفهم، أعطي الخيار، ليختار الإيمان أو الكفر.

ولأن الله بعباده رؤوف رحيم، ولا يرضى لهم الكفر، فقد أكثر من الآيات التي تخاطب العقل وتستفز التفكير، لكي لا يبقى لذي لب حجة.

إن معرفة الله لا تتوقف عند معرفة معاني أسمائه الحسنى، التي تدلنا على أفعاله العظمى وصفاته المثلى، بل ترتقي بالتفكر في أسرار خلقه وخفايا حِكَمه حتى يصل المرء الى منزلة العارف، فإذا انعكس ذلك على سلوكه ارتقى الى مرحلة الواصل، أي المتصل وجدانيا بالله، وهذه هي المنزلة العليا التي يصلها قليلون من البشر، لأنه إذ ذاك يرتقي بأحاسيسه ومشاعره فلا تعود للرغبات والنزوات المعروفة للبشر من سلطان لها عليه، أي يتحرر من قيود الذات ومناقص الجسد، فيقترب من ملكوت المعرفة العليا ومنبع الحكمة الأعلى، حيث تصبح عندها الأمور مكشوفة له كأنها كتاب مفتوح.

تتميز العبادة التي تتـأتى عن المعرفة عن تلك التي تأتي خوفا أو طمعا أو مسايرة للمجتمع، بأنها تنعكس سلوكيا على المرء، فيصبح خلقه القرآن، وتصدر أفعاله موافقة لما ورد في القرآن، فتنتهي تلك الحالة من الفصام التي نراها عند كثيرين من المسلمين، وتتمثل في امتثالهم لأداء العبادات، لكنهم لا يتمثلون غاياتها:

– فهم يؤدون فرض الصلاة لكن صلاتهم لا تنهاهم عن الفحشاء والمنكر.

– ويذكرون الله باللسان لكن قلبهم غافل، فلا يتذكرونه، لأنهم لو عرفوا أن الله مطلع على أقوالهم وأفعالهم، لما قالوا الزور ولما اغتابوا الناس.

– ويصومون بترك الطعام والشراب، لكن صيامهم لا يزيدهم تقوى ولا صلاحا.

من يعرف الله حقا يتقيه، فهو كمن كان تحت أنظار كاميرا المراقبة، تستقيم كل تصرفاته، فلا يفسد البيئة ولا يرمي القمامة في الشارع، ولا يؤذي مخلوقا من مخلوقات الله ولو كان نملة، ولا يغش في بيع ولا يفجر في تعامل.

لذلك جعل الله الدين اختياريا، ولم يجعل طاعته إلزامية كالملائكة ولا فطرية كالحيوانات، ليختار كل إنسان منزلته بحسب تقواه: ارتقاء الى الملائكية.. أو هبوطا الى الحيوانية.

شارك على
Comments (0)
Add Comment