تأملات رمضانية … بقلم: د. هاشم غرايبه
أصبحت حالة التأفف والضيق حالة عامة بين الناس، فلا تجد أحدا يلتقى بآخر- وبعد السؤال المعتاد عن الحال- إلا وينفث زفرة طويلة متشكيا من صعوبات الحياة، ومن ضيق العيش.
قد تكون الأوضاع المالية سيدة المشاكل، لكن ما يغلبها صعوبة هو التعامل البيني بين الناس، وعلى جميع الأصعدة، بدءا من التعامل الزوجي الى الأسري، توسعا الى المجتمع بكافة مستوياته.
هنالك إحصائيات غير موثقة تقول أن نسبة الطلاق في الأردن بين حديثي الزواج تبلغ 35 % ، وحتى لو كانت النسبة مبالغ فيها، وأن الحقيقية نصف ذلك، فتظل مرعبة، إذ أن حالات الطلاق قبل خمسين عاما كانت من الندرة بحيث تؤرخ بها الأحداث في المجتمعات المحلية، فما الذي تغير حتى أصبح من المعتاد أن يزف الشاب أو الفتاة الى أصدقائهما عبر وسائل التواصل خبر الإنفصال، بكل أريحية وبلا أي شعور بالألم، وكأن الأمر كانتقال من وظيفة الى أخرى؟.
في سبيل بحث هذه المشكلة العويصة، لن أعقد مقارنة بين ظروف الماضي والحاضر، فالفوارق شاسعة، لكن يمكن التطرق الى أهم الأسباب.
يمكن القول أن سوء الإختيار هو العامل الرئيس، لكن هذا أمر متشعب لأن عناصره كثيرة أهمها:
1 – التربية البيتية التي جعلت اعتماد الأبناء على الوالدين عظيما، فلأنهما يريدان أن يعوضا الأبناء ما كانوا يفتقدونه هم عندما كانوا في مثل سنهم، لذلك يكفونهم كل احتياجاتهم، بل ويبالغون في توفير كل ما كانوا يحلمون به هم من الكماليات، لكنهم لا يعلمون أنهم بذلك يحرمون ابنهم أو ابنتهم من تجربة الحرمان والمعاناة التي عاشوها هم، وهي التي تجعل للحصول على الحاجة مذاقا له قيمة، بدل أن يحس به عاديا غير مفرح.
أدى ذلك الى ارتفاع منسوب المتطلبات، وانتقلت كثير من الكماليات الى خانة الضروريات، فأصبحت كلف المعيشة مرتفعة، وما كانت اعتادته الفتاة مما يوفره لها والدها بسلاسة وبدون أن تطلب، لم يعد كذلك من قبل زوجها الشاب الذي ما زال دخله متواضعا.
وبالمقابل فزوجها الشاب الذي اعتاد من أمه أن تقشر له البرتقالة، لم يجد الإستعداد لذلك متوفرا لدى زوجته، فهي تنتظر منه تقشير برتقالتها هي.
2 – الإنفتاح المفاجيء على العالم من خلال الفضائيات أدخل مفاهيم ثقافية سلبية جديدة في العلاقة الزوجية، أخذها الشباب بدافع من الإعجاب بالحريات الشخصية التي تؤمنها الحضارة الغربية، مقابل الطابع المحافظ لحضارتنا، ومن غير فهم لاختلافات النظام المجتمعي والبيئة الإقتصادية.
نجم عن ذلك صدمة ثقافية نتجت عن البون الشاسع بين الواقع والأفكار، وأبسط مثال على ذلك هو استحالة تطبيق النموذج الغربي لهذه العائلة الصغيرة، والمعتمد على تقاسم تكاليف الحياة بين الزوجين والتي هي بسيطة لعدم وجود التزامات مالية واجتماعية عليهما خارجها في المجتمعات الغربية، لكن واقعنا المحلي مختلف، لا يمكّنهم من الانفصال الكامل عن عائلتي الزوجين ولا حتى الأقارب والجيران.
هذه واحدة من تناقضات كثيرة تفسد التفاهم بينهما خاصة بوجود الترابط العائلي والعشائري.
3 – أما إن تعمقنا في البحث عن أسباب الزيادة الهائلة في أسباب الطلاق عند هذا الجيل مقارنة بجيل آبائهم، سنجد أنها تتركز في تغير الأسس القويمة للاختيار، فأصبح المتطلب الأول المادة وطغى على الجوهر، المتمثل بمبدأ: “فاظفر بذات الدين تربت يداك”.
ليس المقصود بذلك اختيار فتاة ناسكة متعبدة كثيرة الصلاة والصيام، بل ذات الدين هي الفتاة التي تربت في بيت أقيم على الإيمان، عامر بالتقوى، فمخافة الله هي المنشئة لحسن الأخلاق، لذلك كان الاهتمام سابقا بهذا الأمر فيقولون: اسأل عن الأصل، أي دقق في حال أسرة الشاب او الفتاة، فإن عُرف الوالدان بالصلاح والتقوى وكانت أسرتهما مستقرة، كان نتاجهم صالحاً.
فصلاح الأمور للأخلاق مرجعه… وليس من الثروة أو الجمال منبعه.