تأملات رمضانية … بقلم: د. هاشم غرايبه
قال تعالى:” أوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ * وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحيِي العِظام وَهِيَ رَمِيم * قُلْ يُحْييها الّذي أَنْشَأَها أَوّلَ مَرّةٍ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيم”.
كم هو متناقض ذلك الشخص الذي تراه سوي التفكير – ولا أقول مثقفا أو عالِما – عندما تراه يتقبل فكرة أن الإنسان يفنى ويؤول الى الزوال نهائيا، مع أنه مقتنع بأن المادة والطاقة وإن تحوّلا من شكل الى آخر إلا أنهما لا يفنيان.
الإنسان أسمى الموجودات – بحدود معرفتنا الحالية على الأقل – ، فهو يتميز عن الكائنات الحية جميعها بالعقل ، وبالعقل و عن الجمادات الحياة.
ألا يعني ذلك شيئا لمن يرى نفسه عالِما منفتح العقل!؟.
فإذا كانت الجمادات التي هي في الدرجة الدنيا من التعقيد لا يمكنه إفناءها أو صنعها، ولا تغيير القوانين الفيزيائية التي تحكمها قيد أنملة، إذ توقف الإنسان منذ ألف عام عن المحاولات العقيمة لتحويل الحديد الى ذهب، ورغم تطوره العلمي الهائل.. فما زال الحديد حديدا والذهب ذهبا، وأيقن أنه لا يمكنه تغيير التركيب الجزيئي فيهما.
إن كان الأمر كذلك، فهل الفارق بين الكائن الحي والجماد أمرا بسيطا ليتجاوزه، ليبلغ الحمق ببعض العلماء، فيقفزوا عن كل ذلك، ويسعوا الى صنع المادة الحيّة؟.
فهل هم بهذه السذاجة ليعتقدوا أن سر الحياة كامن أصلا في المادة ذاتها؟.
ألا يستدل الفهم المنطقي ان الحيوية شيء فوق الفهم يوهب لتلك المادة، فتتحول من مركب كيميائي جامد الى كيان حيوي يتغذى وينمو ويتكاثر!؟.
وهل هم يعقلون حقا، إن تصوروا أن مجرد نجاحهم بتحديد بعض الجينات في الصبغيات (الكروموزومات) الحاملة للصفات الموروثة، سيمكنهم صنعها؟ .. إن هذه المعرفة – على أهميتها – لا تعدو قطع الملليمتر الأول في مسافة الألف كيلومتر!؟.
أولم يصدم عقولهم كيف أن الخلية الأولى (الزيجوت) المكونة للإنسان، يتخلق منها مئات الأنواع المتباينة في المواصفات والوظائف من الخلايا، كل واحدة منها تتوجه الى مكان مُقدّر، وتبدأ في التكاثر الموجه وفق برنامج دقيق جدا، لكي تتوافق مع أنواع الخلايا الأخرى والتي ترتبط معها بوظائف متكاملة، فلا تسبق واحدة أخرى، ولا تضل طريقها المرسوم أبدا، فلا تجد خلية عظمية واحدة في القلب، ولا خلية بصرية في الأنف، فلا وظيفة تتعطل، ولا أداء فيه نقصاً!؟.
أم أنهم لم ينبهروا عندما رأو الصفات الوراثية المنقولة عبر المورثات والتي نقلتها هذه الخلية، قد أرسلت الى كل خلية مسؤولة عن صفة رسالة دقيقة، فالتزمت بها ولم تحد عنها، فخلايا البشرة والشعر التزمت باللون المأمورة به، وكذلك قزحية العين نفذت الأمر، فاتخذت اللون المحدد لها، كما أخذت شكلا لا يمكن أن تجده في عين شخص آخر من مليارات البشر، ومثلها كذلك بصمة الأصابع، ولو امّحت بشرة إصبع بحادث ما، ستجد أن البشرة المتجددة جاءت بالبصمة ذاتها، مما يعني أن شيفرتها محفوظة.
والأعجب أن الحبال الصوتية للولد حفظت لديها نغمة صوت الوالد ولم تظهره إلا حين البلوغ فغدا صوته شبيها بصوت والده، وقس على ذلك عشرات الصفات الموروثة.
هذه الخلية الأولى لم تكتفِ بإيصال هذه الرسائل المعقدة المتداخلة الى بناتها من الخلايا المختلفة، بل أرسلت نسخة دقيقة من الخريطة الوراثية الى الخلايا الجنسية بعد أن بدأ انتاجها عند البلوغ (سواء كانت حيوانات منوية أم بويضات)، فأين كانت هذه الخريطه محفوظة طوال فترة الطفولة؟ والخلايا الجنسية لم تكن موجودة آنذاك، وبدأ انتاجها بعد سن البلوغ!؟.
وأخيرا، وبعد أن تتخلق هذه الخلية وتصبح إنسانا، فيدرس ويغترف شيئا ضئيلا من بحر العلم، يقف في وجه من خلقه ليحاجج قائلا: كل ذلك وجد عبثا وبلا غاية، وكل هذه الدقة والإحكام هي مجرد صدف.
لا شك أن هذا الشخص قرارة نفسه يؤمن بسخف رأيه هذا ، وأنه ما يقوله إلا لكي يتحلل من الإلتزام بتعليمات الخالق، فيفعل ما يحلو له بلا خوف من يوم الحساب.