تأملات رمضانية … بقلم: د. هاشم غرايبه

 تأملات رمضانية … بقلم: د. هاشم غرايبه

فيما يتعلق بالمسيح عليه السلام، هنالك اختلاف عميق بين اتباع الرسالات السماوية الثلاث.

فأتباع العقيدة اليهودية يقولون بأنه ليس المسيح الحقيقي، وأنه لم ينزل بعد، لأنه باعتقادهم سينزله الله لإبادة اعدائهم ولإقامة مملكتهم.

والمسيحيون منقسمون بين ثلاثة معتقدات: فبعضهم يعتقد أنه الله بذاته، وتجسد بشرا بمسمى المسيح ثم عاد الى السماء، وآخرون يعتقدون أنه ابن الله المنجب وأرسله الى البشر ليخلصهم لكن اليهود قتلوه صلبا، والفئة الثالثة لا تعتقد بأنه الله لكنه ثالث ثلاثة يتقاسم مع الله والروح القدس الملك والألوهية والربوبية.

أما المسلمون فهم يؤمنون بما وصفه به الله أنه نبي مرسل، وأنه بشر يسري عليه كل ما يسري على البشر، مع أنه مخلوق بطريقة مختلفة عما يعرفه البشر الذين يولدون من أب وأم، فهو كلمة ألقاها الله الى مريم، ولكنه لم يصلب، بل رفعه الله من بين جنود الرومان، فأخذوا شبيها له اعتقادا أنه المسيح وصلبوه.

بعد أن أنجاه الله منهم، لم يرد في القرآن شيء عنه بعد ذلك، فتبنى الفقهاء مقولة إن المسيح عليه السلام لم يمت، وهو ما زال حيا، وفاتهم أن مقولة الخلود هذه هي من (الاسرائيليات)، وجاءت لتعزيز فكرة ألوهية المسيح أو أنه ابن الله، لأن من لا تسري عليه سنة الموت فهو إله.

في حقيقة الأمر لم يرد في القرآن الكريم أن المسيح لم يمت، فالنفي الوارد في الآية في قوله تعالى: “وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا” [النساء:157]، كان لقول اليهود: “إنا قتلنا المسيح ابن مريم” لكن لا يوجد أي نص ينفي موته، بل على العكس هنالك ما يؤكده، وأقدم لإثبات ذلك الأدلة الأربعة التالية:

1 – يقول تعالى على لسان المسيح : “وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا” [مريم:33]، مؤكدا بذلك أنه كسائر البشر يولد ويموت ويبعث يوم القيامة، ولما كان البعث هو خروج من في القبور وإحياؤهم مرة ثانية، إذاً فالمسيح يبعث من الموت، ولو كان حيا ما جاءت (أُبْعَثُ حَيًّا).

2 – يقول تعالى مخاطبا المسيح: “إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا” [آل عمران:55]، وواضح أن التوفي هو عودة الروح الى الله دون الجسد، أي الموت، ومن المهم هنا ملاحظة أن عبارة التوفي جاءت سابقة لعبارة الرفع الى الله.

3 – الخلط الذي أربك الفقهاء هو الاعتقاد بأن الرفع يعني حكما نقلا الى السماء، لكنه لغويا له عدة معاني، فيقال للمنع مثل: رفع الطعام، ويقال للإعفاء مثل : رفع القلم عن ثلاثه، كما يقال للترقية مثل “ورفعنا لك ذكرك”، كما أنه قد يكون حماية وحفظا، وهو مقصد الآية هنا، كما حدث فيما بعد حينما رفع الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم من بين المشركين الذين جاءوا لقتله ليلة الهجرة، فلم يرسل ملائكة يحملونه من بينهم، بل أعمى عنه عيونهم فخرج من بينهم فلم يروه، فقد يكون حدث مثل ذلك أيضا مع المسيح عليه السلام حينما جاءوا للقبض عليه، فعمى الله عنه وأخذوا بدلا من شبيها له.

وإضافة الى ما سبق ليس شرطا أن يكون المرفوع حيا، فقد قال تعالى عن إدريس عليه السلام “وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا” [مريم:57].

4 – قوله تعالى: “إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ” [الزمر:30] تعني الشمول، فلا استثناء لأي من البشر، لذا فالقول بخلود المسيح عليه السلام فيه نية خبيثة باستثنائه من البشر، بهدف الادعاء بألوهيته أو ببنوته لله.

وفي العموم فإن أمر طبيعة الحياة والموت بيد الله، ولا علم لنا بما يكون عليه الإنسان بعد أن يتوفاه الله، فقد قال تعالى: “وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ” [آل عمران:169]، وجاءت (يرزقون) لتأكيد أنهم ليسوا أمواتا، لأنه لا ينقطع رزق الإنسان إلا بموته.

في الخلاصة فإن استثناء المسيح عليه السلام وحده بالبقاء حيا من دون كل البشر أمر لا يصح، بل فيه شبهة الشرك.

شارك على
Comments (0)
Add Comment