الذاكرة المثقوبة … بقلم: د. هاشم غرايبه

 الذاكرة المثقوبة … بقلم: د. هاشم غرايبه

وكما حدث معنا سابقا، ويتكرر باستمرار، تشن الحملات العسكرية الغربية على منطقتنا، تتبدل الذرائع، لكن تستعاد الوقائع جميعها وبالتسلسل ذاته، وفي كل الحروب: احتلال فلسطين عام 48 ، حرب 56 ، حرب عام 67 ، الحرب الأهلية اللبنانية، الحرب الأهلية الجزائرية، العراقية الإيرانية، احتلال لبنان، العراقية الكويتية، احتلال العراق، تدمير ليبيا، تدمير سوريا، تدمير اليمن.

كل الأمم والشعوب التي تتعرض لمثل ما نتعرض له، وإن كانت حالات نادرة، إلا أنها تَعرِف السبب والمسبب، فتُعرّف العدو فتقاومه، لكن مأساتنا المزمنة تكمن في أن لدينا من بني جلدتنا من يتبرع لتضليلنا، بهدف حرف انتباهنا عن الغزاة، فيبذل جهده في إقناعنا بأننا نتوهم وجود مؤامرة علينا لنعلق عليها قصورنا، وأن ذاتنا هي عدونا، ولولا أن منهجنا خاطئ، ما تمكن منا هذا الطامع.

قد لا يكون هدف هؤلاء أحياناً خدمة العدو الغازي عن عمالة له، بل هي انتهاز لفرصة هواننا، بإحالة السبب من غير بينة ولا دليل، الى اتباعنا لعقيدة الإسلام، فيحمّلها تبعات تأخرنا التقني وانهزامنا الحضاري، بالقول إنه فكر ماضوي بائد ولا يصلح في عصر التنافس والتسابق.

هؤلاء هم الضّالّون المُضِلّون، فلم يكتفوا بأنهم انتهجوا الباطل وتنكبوا الحق، إلا أنهم يسعون بأفواههم لإطفاء نور الله الذي خص به الأمة لتقود البشرية الى الفلاح، وبدلا من ذلك إعادتها الى ظلامية الجاهلية، حينما كانت تقودها الغرائزية والمصالح.

لم تتعرض أمة في الأرض لمثل ما تعرضنا له، فلم نُترَك عاماً واحداً في دعة واستقرار، بل كلما تعافينا من جرح نالنا أعداؤنا بآخر لينهكونا، ويؤازرهم علينا المضلون فيعظم الضرر.

هؤلاء الذين نعتبرهم من بني جلدتنا، ونحرص على عدم إيذاء مشاعرهم، فلا نقول فيهم إلا خيرا، ولا نقبل تخوينهم ولا الإنتقاص من وطنيتهم، نأمل فيهم أن يثوبوا الى رشدهم، لكنهم كلما ادلهمت الخطوب، تعلقوا أكثر فأكثر بآمال أن تدفعنا الهزائم لأن نهجر عقيدتنا ونتحول لعبادة أصنام الغرب.

مصيبتنا أنه خلال القرن المنصرم تقلبت أحوال كل الأمم فمنها ما أرتقى، ومنها ما ساد، ومنها ما كان بين هذا وذاك، ما خلا أمتنا فهي في هوان مقيم، بل على الإنحدار دائبة، فيومها أسوأ من أمسها.

بعد عقود من هذا الحال عرفنا سبب ما أصابنا، فقد تبين لنا أن علتنا هي أنه من بين هؤلاء الضالين المضلين كان سادتنا وحكامنا، فهم استكانوا للأعداء وباعوا استقلالنا بثمن بخس، وهو دوام استئثارهم بالسلطة.

أليس من حقنا أن نتساءل بمرارة – ولو كان ذلك بعد أن وقع الفأس بالرأس -: ترى لو كان عبد الناصر يرى أن خير رافعة للأمة هي عقيدتها، ترى هل كان لينكل بالمؤمنين بالله ويبعد الصادقين في حبهم لوطنهم، ولا يبقي حوله غير المنافقين المنتفعين والمأجورين، ليفسدوا ويصنعوا في عام 67 أسوأ هزيمة في تاريخنا الحديث؟.

هل لو أن صدام حسين آمن في بداية حكمه بأن الإسلام هو الحصن الحامي وليس ولاء الرفاق الذين نكل بهم، فلا هو أبقى لدين الله وُدّا، ولا لرفاقه عهدا، فما بقي من حوله غير المنافقين والإنتهازيين، ففسدت الأرض بعد إعمارها، وخسر مشورة المخلصين فكانت كوارث الحروب العبثية!؟.

وفي سوريا: هل لو لم يكن آل الأسد فاسدين مفسدين ولدين الله معادين ولمن أقامه ظالمين، هل كان ليثور أهل سوريا جميعا عليهم؟… فبما تمسكهم بالكرسي اللعين يستقوون على الشعب بالأعداء الحاقدين.

وفي الجزائر، وليبيا واليمن .. وباقي أقطار الأمة، أليس التمسك بالكرسي اللعين هو ما زين للحكام الرضوخ لإملاءات أعداء الأمة، بممانعة منهج الله، حتى لو أدى ذلك لدمار الوطن وارتكاب المذابح؟.

لم تتعرض أمة أخرى غيرنا لكل ذلك، ولم يلتق الجبابرة معاً يوماً في حلف واحد إلا علينا، والسبب واضح، وهو لأننا حملة رسالة هدي البشرية وإخراجها من عبادة الطواغيت الى عبادة رب العالمين.

لذلك ندفع الثمن غاليا.

شارك على
Comments (0)
Add Comment