إليه وقد عاد .. قصة قصيرة
بقلم: د. سيد شعبان
كنت آليت على نفسي ألا أكتب ناقدا بعض ترهاته التي يهرف بها؛ إذ حسبته قد دخل نومته الكبرى، فلما وجدت بعض خربشاته على حائطه؛ يكتب من حلاوة روحه التي توشك أن تذهب حسرات؛ أن لم يجد لمقالته في الشعر معقد الإزار، ولم يعط صولجان الملك؛ أجبل بما انقطع وقلاه شيطانه؛ ألا مدرسة ولا مبنى ولا معنى؛ فدعا هنالك ثبورا: ينعى أن لم يكن الرائد وإلا لصار الطاووس يزهو والأسد يزأر وابن جلا وطلاع الثنايا على المنبر في المربد أو عكاظ يرفع عقيرته يشدو، جاء بها مدوية : لا العصر عصر المدارس ولا الريادة لأحد حاشاه!
إذا لا فن في طب ولا جمال في هندسة ولا تهذيب في درس؛ لتكن مقالة السوداء الغاربة كوندي: الفوضى الخلاقة!
كنا نلهو في دروب القرية نجري أمة تنتظم مسيرتها وتتكاتف حركاتها في إيقاع اللهو والبراءة، وتتساند عزائمها فيجيء مغبر وجه لا طلعة له ولا بدرة إلا أن يعاند ويخابل فيقول فيها أو أخفيها؛ فيالها من كلمة ذهبت في الحياة مثلا؛ تكره العمل الموحد وتدعو إلى الهدم؛ إن لم تر حظ نفسها ومحط أظافرها تنشب في روح الإبداع فتأبى إلا أن تكون نيرون يعزف لحنه الأخير على خرائب روما- لا كانت نفسه ولا أجيبت دعواه- في ذلك استوزر كل صاحب قرن ليتبعه في مقالته: أن اهدموا البيت وأخرجوا من احتمى به ولو كان ابن الزبير؛ فله وحده يجب أن يردد الطائفون: نحن غرابا عك!
وهل ينقم مدرسة شعرية وما باله وقد هوى في بحر لجي تضربه الريح الهوجاء يمنة ويسرة؛ ألا يجد منقذا وقد تلاطمت الأمواج من حوله؛ غريق ما يحسن السباحة في بحور النغم.
أتنقم إن لم تكن لك ريشته معلما بها- حمزة بين الجموع في بدر- أم ترانا لو كنت سفحت دماءنا وألقيت بنا من فوق قلعة الجبل؛ إرضاء وتزجية وتصدية!
ألا لكل قوم ما ذهبوا إليه- فعلمنا في أدبنا كما علمنا شيخنا الشاعر الوزير أحمد هيكل- برد الله مضجعه- في درسه يشرح” اتجاهات الأدب المعاصر” وشيخ مؤرخي الأدب العربي” شوقي ضيف” في أسفاره؛ و أبو الأنوار في حواره الأدبي، ومن قبل العقاد وشكري والمازني في الديوان؛ أننا بهديهم نقتدي؛ أم نتبعك ونلزم غرزك؛ ساعتها سنكون لديك من أهل الحظوة والمبدعين الذين لم يسبقوا.
واسترفدت قائلا يعضدك: أننا نبحث عن شهرة أو نطلب مالا ؛ علم الله أننا أكثر الناس زهدا ورغبة عن ألقاب زائفة وثياب خرقة خلقة، لو تعلم مكانتنا ما تجاوزت؛ ولو قرأت وجمعت ووعيت ما من الله به علينا لذهبت تتعالى بما لم تؤت!
بل إياك إياك أعني، ولا إخالك إلا وقد قرأت فلا تعودن لمثلها، ولك الخلاء واسع فبض فيه واصفر، ولك أن تحمد مقالتي أو تهمزك في الناس إن عدت، فمثله كمثل الثعلبان إذ جاء الكرمة فعجز عليه أن ينال منها عنقودا رفع عقيرته وناح : إنه حامض!
أرأيتم كيف تذهب بالمرء نفسه، وما آراها إلا مودية به حيث تسكن الغيلان تتخطفه أيدي سبأ.
ولقد جاءني من نبئه أنه يرتاب في صحائفه ويعاود ما نظمه؛ ليخرج إلى الناس مشمرا: أن المتنبي دونه وشوقي يفوقه، بل توقف الإبداع إلا أن يمر من تحته أنهارا تجري.
سيبقى الشعر مدارس والنثر فنونا ولو كان المرء أمة وحده، بتلك مضت سنة الإبداع وتعارف العرب بين الخلق فلم يكونوا بدعا من القول.