للسرد القصصي في القرآن الكريم أسلوب فريد

 لغتنا الجميلة  … بقلم: د. هاشم غرايبه

للسرد القصصي في القرآن الكريم أسلوب فريد، لا يمكن أن يوازيه أي اسلوب بشري، ورغم أنه يتناول أحداثا في الماضي أو الحاضر أو أحداثا ستحدث في المستقبل، إلا أن الصياغة في جميع الحالات تأتي باستعمال الفعل الماضي، والذي هو أسلوب بلاغي يفيد القطع بالصحة، لأن الفعل الماضي هو أمر تحقق وأصبح معلومة محققة، ولا مجال للشك في حدوثه، الشك الوحيد هو في صدق الراوي، لكن عندما تكون الرواية صادرة عن الله تعالى، فلا مجال للشك إطلاقا، فهو الذي يعلم خفايا الأمور ونوايا الفاعلين وحقيقة ما حدث لأنه هو مُنشِئُه أصلا، لذلك تأتي الصياغة بالفعل الماضي لتحقق الحدوث المؤكد.

فلو استعرضنا قصة موسى عليه السلام، يقول تعالى في الآية السابعة من سورة القصص: “وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ”.

القصة هنا في أقصى درجات الإعجاز البلاغي، تبين النشأة التي تمت بحماية الخالق، وبتدبيره لكل الظروف التي تضمن نجاته من الموت المحقق، لأن كل مواليد بني إسرائيل من الذكور كانوا يقتلون، فالأحداث متلاحقة باختصار مبهر للعقل، متسلسلة متصلة بـ (فاء) العطف التي تعني التتابع القريب، لكنها مرتبط بـ (إذا) وهي أداة شرط تفيد الحدوث المحقق إنما من غير تحديد زمن الحدوث، إذا فالخوف على حياة المولود سيتحقق، وعندها تضعه في صندوق خشبي وتلقيه النهر، ولكي يطمئنها الله على ان نجاته من الغرق مؤكدة، وأن لا تخاف عليه فهو حاميه، ولا تحزن على فراقه فسوف يعيده إليها، فهو يبشرها بأنه سيكون نبيا مرسلا، أليس في ذلك قمة الطمأنينة لقلب الأم؟، فهو إذاً سيعيش ليكون نبيا، فالرسالة تكون بعد سن الأربعين.

الوحي هنا بمعنى الإلهام وليس الإخبار بالنقل كالوحي القرآني، بل ايقاع الأمر في روعها فلا يحتاج الأمر الى محاكمة عقلية في نفسها، لأنه ما من أم تلقي وليدها في البحر مهما كان يتهدده من خطر ومهما قدمت لها تأكيدات، تضمن سلامته.

من العناصر الفريدة في القصص القرآني، أن الإبهام عين البيان، فالحدث قد يُفصلّ أو يجمل فيه الله تعالى بحسب المغزى المراد من إيراد القصة، ويحجب أحداثا لا يخدم إيرادها الغرض، لكنه يوردها في موضع آخر مكملا السياق القصصي في الآية الحادية عشرة: “وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ”، إلا أنه يقطع هذا السياق ليورد في الآية الثامنة أن آل فرعون التقطوه وآووه: “فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا”، ثم في الآية التي تليها يرينا الله كيف أن قلوب البشر هي بين يديه، يقلبها وفق حكمة أردادها ولتسير الأحداث حسبما قدرها، فيوقع حب هذا الوليد في قلب امرأة فرعون التي قدر الله أن لا تنجب، من أجل أن تكون كالأم الرؤوم بالنسة لموسى وتحميه من قانون فرعون الظالم، وفي نهاية القصة في الآية الثالثة عشرة يبين الله كيف أنه وفى بوعده لأم موسى فأعاده إليها لتكون له مرضعا وهم لا يعلمون أنه ابنها، ثم يستعيده فرعون بعد الفطام لتربيه امرأته و ترعاه الى أن يكبر.

إن السياق ينقطع هنا لتكمل القصة في مواضع أخرى في القرآن، لكن أمرا لا يورده الله لنا مباشرة، بل نفهمه من سياق قوله تعالى على لسان امرأة فرعون: “إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ” [التحريم:11]، إذاً فكانت مؤمنة بعكس زوجها، وهذا منطقي لكي لا يتربى من سيكون نبيا في بيئة كافرة.

هكذا رأينا كيف أن روايات الحدث الواحد تأتي في سياقات متعددة، وتخضع للتقديم والتأخير وفق الدرس المراد ترسيخه، ويأتي البيان من رحم الإبهام، فليس من ضرورة لمعرفة اسم أم موسى ولا أبيه ولا إسم فرعون ولا امرأته، ولا إسم امرأة نوح وامرأة لوط، لأن هذه الأنماط من الشخصيات يمكن أن تتكرر في أي زمان، لكن التعريف بأسماء الأنبياء جاء لأنها حالات لن تتكرر، ومن غير الأنبياء صرح الله بإسمين فقط: مريم ابنة عمران، وزيد بن حارثة فحالتاهما لن تتكررا مطلقاً.

شارك على
Comments (0)
Add Comment