تمثيلات الأسطورة في رواية صخرة نيرموندا للروائي بكر سباتين …بقلم : عبدالرحيم جداية….

اصدارات ونقد الأسطورة والفن الروائي:

توافقت المجتمعات عبر التاريخ على قضايا ومشكلات وجودية أبرزها الموت والحياة والقوى الخارقة الماورائية التي توجه لها بالعبادة أحيانا وفلسفتها في ظروف أخرى أو إعادة نسجها وتشكيلها ليكون قادرا على تفسير بعض السمات التي تناقلها المجتمع على شكل خرافة أو أسطورة أو حكايات شعبية تواترت في مسيرة المجتمع ونقلها الأبناء عن الأباء في نمطية تعبيرية عن ظروف القهر وعدم القدرة على الفهم والتفسير فكانت الأسطورة أسلوبا تراثيا في تفسير وتعليل وتقريب ما لا يستطيع العقل على تفسيره حيث وردت لفظة الأسطورة في القرآن الكريم في سورة الأنفال آية 31″ “وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا اساطير الأولين”.
وقد اهتم الأدب بدراسة هذه الأساطير الكنعانية والسومرية واليونانية وغيرها مما وردنا شفاهية أو مخطوطا حيث برزت مرحلة أدبية كانت الأسطورة سيدة القصيدة والنص القصصي والروائي وجاء توظيفها في كثير من الأعمال الأدبية بشكل مباشر لا تحمل النص الأدبي ولا ترتقي به إلى أعلى على عكس بعض النصوص التي وظفت الأسطورة في سياقها لتعبر عن حالة ثقافية مقاربة لها بالمعنى ومختلفة بالمبنى.
وقد استفاد الروائي بكر سباتين الذي قدم لنا أسطورة نيرموندا حامية يافا وصخرتها في نص روائي استند على الفعل الأسطوري في رواية صخرة نيرموندا حيث يبرز العنوان الأسطورة الكنعانية مباشرة لكنه يعيد تفكيكها وتركيبها في بناء روائي نموذجي ليعبر عن القهر الفلسطيني في تهجيرهم من أرضهم وأوطانهم على أيدي المحتلين الانجليز والعصابات اليهودية لخلع الكيان الفلسطيني ومحاولة تشكيل كيان صهيوني لم ينسجم مع الفكر العربي ورفضه الجسد الفلسطيني.
وقدا جاء بناء الرواية على ثلاث أساطير أولها نيرموند من التراث الكنعاني التي تتقاطع مع التراث اليوناني في الأسطورة، وجاءت الثانية من أدب فلسطين وبلاد الشام حيث استفاد من التراث الشعبي في سوريا الطبيعية بتوظيف سعد الخبايا، وثالثها جاء تناصا مع القرآن الكريم والكتب المقدسة إضافة لما تحرف في أذهان العوام حول قصة بلقيس وسليمان وأهمها قضية الهدهد ونقل العرش من سبأ إلى القدس حيث وظف الروائي بكر سباتين هذه الأساطير الثلاث في بناء روائي يأخذ من الأسطورة ما يفيد الرواية ويسقطه على واقع احتلال فلسطين عام 1948م وما سبقها من إرهاصات التهجير والقتل وسلب الأرض الفلسطينية ليقدم بكر سباتين في رواية صخرة نيرموندا تمثيلات الأسطورة بدلالات اجتماعية معاصرة وبناء فني رزين حافظ فيها على بعدي الأسطورة والوظيفة الروائية.

الأساطير في رواية صخرة نيرموندا
اولا: نيرموندا
وتعد نيرموندا في الأسطورة الكنعانية حامية يافا، كما وردت في الأسطورة اليونانية بأسم (أسطورة أندروميدا) حيث تذكر الأسطورة أن أميرة يافا نيرموندا (اندروميدا) قد تفاخرت بجمالها على حوريات البحر بنات الإله (نيربوس) فغضب (نيربوس) لهذه الإهانة واشتكى إلى (بوسيدون) إله البحر لينتقم من (اندروميدا) فِأرسل (بوسيدون) تنينا عظيما يدعى (كراكون) إلى شواطئ مدينة يافا فأثار ذعرهم وقلقهم فقام الملك (كوبيوس) بربط ابنته إلى صخرة عند شاطئ يافا قربانا للتنين حينما ظهر حبيبها (بيرسيوس) على حصانه لينقذها حاملا معه رأس (ميدوزا) التي تحول بعينيها الأشياء إلى حجارة وعندما رآها التنين (كراكون) تحول إلى حجارة محطمة، وعادت (أندروميدا) حامية يافا لتتزوج من (بيرسيوس) ويعيشا هانئين.
ونجد هذه الأسطورة تحويرا للإسم الكنعاني (نيرموندا) إلى الأسم اليوناني (أندروميدا) ورغم تعدد القصص والروايات لإسطورة (اندروميدا) وصخرتها الشهيرة إلا أنها تبقى حامية يافا ورمز المقاومة على مر العصور.
ثانيا: سعد الخبايا
وتعد أسطورة سعد الخبايا من الأساطير المتناقلة من الخليج إلى المحيط وتذكر القصة أن سعدا قد سافر في نهاية شهر كانون الثاني عكس رغبة والدته التي حذرته من برودة الطقس في الشتاء وفي بداية شباط انهمرت الأمطار وأمه تندب حظها في ولدها وتقول:”إن ذبح سعد يسلم” وتقول الأسطورة أن سعدا سمع كلام أمه بالإيحاء عبر كل المسافات البعيدة وذبح ناقته وازال كرشها واختبأ داخلها ينهش من كبدها لمدة 12,5 يوم فسميت أول خمسينية الشتاء (سعد ذبح) ثم بلع وأكل لمدة 12,5 يوم ما تبقى من اللحم فسمي (سعد بلع) وعندما زالت موجة البرد لبس جلد الناقة فرحا بنجاته من الهلاك فقالو ( سعد السعود) ثم خرج من مخبئه فقالو (سعد الخبايا).
لنتعرف من خلال هذا الإختيار لأسطورة سعد الخبايا والتي هي في الموروث الشعبي تقسيم لخمسينية الشتاء والتي جاءت كما قسم السوريون فصل الشتاء إلى اربعينية ويتبعها خمسينية الشتاء، ومن هذا الموروث استفاد بكر سباتين أن يكون بطل روايته شخص من العامة يعيش في السكنات الشعبية في يافا وينتقل إلى مزارعها وإلى بحرها وإلى مدارج المدينة للعمل في شتى صنوف العمل اليدوي البسيط.
فسعد الخبايا أسطورة سورية أخذت الدور الرئيسي في رواية صخرة نيرموندا لتتفتح خبايا سعد في أمه وأخواته وأسرته وحب يافا وحب مزارعها بما تحمله من خفايا وحب البحر بما يخبئ من خبايا حيث مات والده لتشكل تحولات سعد الخبايا في العمل والحب والمقاومة أساسا لبناء رواية صخرة نيرموندا.
ثالثا: بلقيس:
إن الدارس لبلقيس التي أشتهرت بقصتها مع سليمان الحكيم عليه السلام، يدخل في أكثر من إطار، فالقصة قد وردت في القرآن الكريم عندما تفقد سليمان الهدهد، وعندما عاد وصف له مملكة عظيمة وعرشا عظيما وكان سليمان يحكم الإنس والجن، فطلب سليمان قائلا: من يأتيني بعرش بلقيس فقال أحدهم كما ورد في القرآن الكريم ” قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك”.
كما ورد نص بلقيس وسليمان في الكتب المقدسة مما يدفع الباحثين لإعتبار قصة بلقيس تناصا قرآنيا فأين الأسطرة في هذا النص؟ إذا علمنا أن الأسطرة تبدأ عندما تتحدى العقول بالغيبيات وآلية إحضار العرش، فمنهم من قال بالطي الزماني ومنهم من قال بالطي المكاني أو حتى السير بسرعة الضوء وبقيت قضية نقل العرش مشكلة عقلية حتى عند علماء الفيزياء مما أضاف إلى العقل الجمعي أن يردد هذه القصة بإضافات ، لأن العقل الإنساني لم يكن قادرا على استيعاب نقل العرش من مكان لآخر في طرفة عين، لكن علماء الكم الحديث فسروا جزءا من هذه الظاهرة وذك بمسح فوتون وتحديد هويته وإعدامه ليخلق من جديد في مكان آخر.
ومن متعلقات قصة بلقيس تلك المراسلات بينها وبين سليمان وقولها بعد أن استشارت قومها الذين أشارواعليها بقوتهم وقدرتهم على حرب سليمان، لكنها قالت لهم كما ورد في سورة النمل آية (34) ” قالت أن الملوك إذا دخلوها أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون”.
ومن معطيات قصة بلقيس أن جاءت بلقيس طائعة ومحملة بالهدايا لسليمان عليه السلام فطلب سليمان من الجن أن يبنوا له قصرا من الزجاج على البحر والذي يسمى القصر الممرد، فلما رأته بلقيس أصابتها الدهشة ودخلت على سليمان فظنت الزجاج ماء فرفعت ةثوبها عن ساقها، فمنهم من يقول أنها كانت جميلة ومنهم من يقول أن ساقيها كانتا ساقي ماعز وله شعر طويل.
أما علماء الآثار فلم يستطيعوا أن يحددوا حتى الآن أية إشارات تدل على ملك بلقيس، فبعد أن بحثوا في اليمن وفي سبأ كانت تراود أحد علماء الآثار فكرة مملكة تحت الماء كما هي مدينة اطلانتس الضائعة، فهذا التعدد في الأفكار والرؤى والتصورات أدخل الناس في حيرة لأنهم لم يصلوا إلى ثوابت مادية تدل على مكان سليمان أو بلقيس، لهذا دخل على قصة سليمان وبلقيس الكثير من الموروث الشعبي الذي ساهم في بناء أسطورة بلقيس، فحملت كثيرا من التأويل عند الرواة وخاصة عند مقارنة النص القرآني مع النصوص المقدسة ونتائج البحث العلمي التي وضعتهم في حيرة حتى ظنوا بأن النص يحمل معايير الأسطورة.
فهل للكاتب أن يتعامل مع قصة بلقيس على أنها تناص قرآني، ذلك إذا فهم الإشارات القرآنية ومعانيها ودلالاتها العلمية، لكن التصور في الفهم هو ما ذهب بالعقل البشري لأسطرة هذه القصة.

مفهوم التمثيلات
يتفق الباحثان سلطان الزغول في كتابه تمثيلات الأب في الشعر العربي الحديث، وليندا عبيد في كتابها تمثيلات الأب في الرواية النسوية العربية المعاصرة، على قيمة الإشكالية في بناء التمثيلات المتعددة، الناتجة عن الرؤيا الروائية والشعرية بحسها الإنساني إضافة إلى الفكرة ولتشكيل الفني الجميل “مما يشكل عالما خصبا غنيا يتداخل فيه الماضي بكل تجلياته والحاضر بكل اضطراباته والمستسقبل بكل تحدياته” كما أورد سلطان الزغول مؤكدا على لحظة الخلود التي تجمع الماضي والمستقبل في الحاضر.
وانطلاقا من النص الأدبي والروائي في صخرة نيرموندا فإن التمثيلات تنفذ زمنيا ومكانيا ضمن فضاء النص الروائي، فقد اتخذ كل من سلطان الزغول وليندا عبيد تمثيلات الأب في الشعر الحديث والرواية المعاصرة، حيث اتفق كلا الكاتبين، إضافة إلى الإشكالية على دور السلطة في علاقاتها وأبعادها النفسية والاجتماعية والسياسية، وتؤكد ليندا عبيد في كتابها على شرط الحرية لتنمية المواهب، والتسلطية معوقا لتلك المواهب.
فالتمثيلات في الرواية الناتجة بفعل السلطة هي تمثيلات اجتماعية ونفسية لهذا قام الباحثان في الرواية والشعر بدراسة (معالم التمثيل على الأبعاد الشكلية والنفسية والاجتماعية المتشابكة للصورة).
إن دراسة تمثيلات الأسطورة، هي دراسة في عمق صورة الأسطورة المتمثلة في رواية صخرة نيرموندا في إشكالية أساليب إغتصاب فلسطين ويافا نموذجا، وهي أيضا دراسة لتمثيلات الأسطورة بين الواقع والمثال، وما تمثله سلطة القوى الداعمة لبناء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين.
فهل الأسطورة أو الأساطير الثلاث التي وظفها بكر سباتين في روايته صخرة نيرموندا، هي الإشكالية التي على الدارس أن يبحث تمثيلاتها في أبعاد ومضامين الرواية؟
أسطرة الرواية:
ترتكز رواية صخرة نيرموندا على ثلاث أساطير وظفها الروائي بكر سباتين في تمثيلات اجتماعية وسياسية، إذ تشاركت الأساطير الثلاث في بناء العالم الروائي لمدينة يافا، التي تمثل بمضمونها القضية الفلسطينية حيث نجح الكاتب في تصوير الحالة الاجتماعية والاقتصادية في يافا قبل سنوات من نكبة 1948م، حيث تشكلت يافا من ثلاث شرائح كانت الأولى يافا المدينة والبحر، والثانية بيارات يافا وعمالها، والثالثة السكنات المحيطة بيافا، والتي تمثل وقود العاملين في البيارات والبحر.
كما نجح الروائي بكر سباتين في توضيح إشكالية الهجرة الطوعية والقصرية لأهل يافا عبر البحر وتهجيرهم إلى دول مجاورة وإحلال الهجرة اليهودية من العالم إلى يافا وفلسطين عن طريق البحر أيضا.
وقد كانت صخرة نيرموندا المتمثلة أمام شواطئ يافا هي الأسطورة الثابتة مكانيا والمتحركة زمنيا بين مسميات مختلفة في عصور مختلفة، وقد اتكأ الروائي سباتين في بنائها الروائي على أسطورة وتراث شعبي فلسطيني وسوري في امتداده الجغرافي والتي تمثلت بشخصية سعد الخبايا الذي شكل حراكه تفعيلا للحبكة الروائية والبناء الروائي، وتأتي بلقيس مرتكزا ثالثا للتمثيل الأسطوري في رواية صخرة نيرموندا.

تمثيلات نيرموندا
نيرموندا حامية يافا، تمثلت في رواية بكر سباتين في شخصيات عدة شاركت في حماية يافا والثورة وشباب الثورة وحمايتهم من العدوان اليهودي والإنجليزي.
1- الزوجة الحامية: يعد الباشا بطرس أحد هذه التمثيلات الحامية ليافا، والتي يشترك بها المسيحي والمسلم أمام الهجمة الصهيونية ويشترك فيها الباشا بطرس والاستاذ كنعان وابنهم عزمي في حماية الثوار والمطلوبين للإنجليز إذ أخفاهم الباشا وحماهم في مزرعة النحل قرب نهر جريشا، وقد ساهم في هذه الحماية فتيان الشبيبة الإسلامية الذي يرتدون ملابس النحالين بعدا عن الشبهات، كما أخفى بلقيس بالمزرعة، أيضا التي تعيش حالة من الإضطراب النفسي تختبئ في المزرعة وهي مشغولة البال، ولا يتوقف دور الاستاذ كنعان بالتبعية بل أيضا بتمثيلات المغامرة حيث يلتقي بلقيس وعبد الجواد في بيت الاستاذ كنعان، كما تشارك المحامية منى إبنة بطرس باشا عملية الدفاع عن بلقيس ومحاولة إرجاع بنتيها إليها.
وتتمثل نيرموندا في حياة الباشا بطرس المدافع عن يافا الحامي للشباب في مزرعته بنيرموندا (هيام) زوجته ذات العينين الساهمتين خلف عريشة الياسمين، والتي تمثل له حامية عاطفية ونيرموندا محبة إذ يقول الباشا بطرس ” آه يا هيام، يا رائحة البحر والبرتقال.. لا أدري إلى أين تأخذنا الطريق فأنا خائف من المجهول” ليختفي هذا الخوف من المجهول في قلب الباشا بطرس على صخرة نيرموندا زوجته هيام، وبقول لها أيضا بعد أن غسلت هيام وجهه بدموعها ليقفز عن الجراح قائلا ” يا هيام.. سننصهر مع هذه المدينة في السراء والضراء”
ويبدو أن نيرموندا الأنثى العاشقة المعشوقة الحامية المدافعة لها تمثيلاتها في منى وبلقيس كما هيام في حياة الباشا بطرس من أجل صموده.
2- الوطنيون في حياة يافا: وكما تمثل نيرموندا الأنثى الجميلة الحامية ليافا تمثل صورة الوطنيين في مسيراتهم المحتشدة والمتظاهرين بصوتهم الجهوري، وماهر الباحث عن أخيه خطاف الذي ردد مع الجماهير ” الموت للمجرمين الصهاينة.. الموت للقتلة الإنجليز” إذ يتعالق هذا التمثيل الوطني لنيرموندا حامية يافا مع الوعي عند سعد الخبايا في فهم القضية الفلسطينية والتعرف إلى أسرار سفينة هيرتزل وشركة شيميل الصهيونية والعصابات اليهودية التي تعمل على تهجير أهل يافا من مزارعهم ومدينتهم وسكناتهم عبر البحر إلى الما وراء الذي يمثل المجهول بالنسبة لكل فلسطيني، فهل تستطيع هذه المنظمات من حماية يافا وهل تكفي الصدامات مع الإنجليز لتمثل المظاهرة نيرموندا جديدة في حياة يافا وهل يكفي تنسيق الخطوات بين الاستاذ كنعان والشيخ رضوان والباشا بطرس لحماية يافا من الشيطان، فنيرموندا ليست مجرد أنثى وليست مجرد أسطورة، بل هي واقع تمثل في ماهر شقيق خطاف والشيخ رضوان والباشا بطرس والاستاذ كنعان وسعد الخبايا الذي يجد نفسه في خضم هذه المسيرات والمظاهرات علهم جميعا يزيلون أوهام الخوف التي بذرته حكايات الجدات إلى سطوة الغيلان في الليل البهيم، فهل تصمد نيرمونداأما تلك الغيلان.
3- سعد الخبايا حامي الثورة: يعد سعد الخبايا أحد تمثيلات نيرموندا الذي يبحث عن عبير لحمايتها ويتشارك مع الشيخ رضوان والباشا بطرس والاستاذ كنعان في وحدة تمثيلية ليافا لحمايتها وفي خضم الإضطرابات يصطدم سعد الخبايا بأحد جنود الإنجليز الذي كاد أن يعتقله، لكن سعد الذي هده التعب الباحث عن عبير وبلقيس والعرافة وداوود، والذي يحمي شقيقاته وأمه ليشكل سعد الخبايا معادلا موضوعيا مع نيرموندا التي عشقها كما عشقها والده من قبله.
ولحماية يافا بقي سعد الخبايا يتتبع داوود الذي كان يخطط مع بعض اليهود لإسقاط يافا أمام صخرة نيرموندا في براثن الإحتلال ليبحث داوود في البيارات والآبار الكنعانية وخلف المطاحن ليلتقي سعد بصديقه جابر لمحاولة الكشف عن مقتل خطاف ونهاية العرافة ليتذكر سعد الخبايا قول العرافة لخطاف “تفجرت ذاكرتي في هذا الرأس الذي يحمل أسرار السعادة لمن يبتغيها، والمليئ بالوعود لمن يبحث عن الحظ الطيب” ليكون اختفاء خطاف سرا في ضمير نيرموندا وضمير سعد وماهر، فهل ينكشف هذا السر على يدي جابر وسعد الخبايا ليجدا السر واضحا في البيارات المهجورة التي استأجرها داوود من أجل تكثير طيور الوقواق ليحتل الانجليز واليهود يافا على الأرض والبحر، وتحتل طيور الوقواق عشوش طيور يافا على أشجارها وفي سمائها وبحرها وأرضها.
تمثيلات سعد الخبايا:
وأهم تمثيلات سعد الخبايا أو الصور الموازية التي شكلها بكر سباتين في روايته مستفيدا من مفهوم الخبايا أي المفاجآت غير المتوقعة والتحولات الناتجة عن السلوكات السياسية في يافا وتحولات شخصية سعد الخبايا والتي أخذت أهم تجلياتها في :
1- سعد الإنسان البسيط: وهي الصورة الأولى التي قدمتها رواية صخرة نيرموندا لسعد الخبايا الإنسان البسيط العصامي، والذكي أيضا الذي لم تسعفه الحال ليكمل دراسته بل توجه للعمل، حيث كانت تحضه أمه للعمل في المزارع مع خاله لكن سعد الخبايا شكله بكر سباتين روائيا ليعمل في أسواق يافا بعد أن فشل بالعمل مع بحارتها وخلال عمله في بيع السكاكين وتجليخها تطورت الأحداث في البناء الروائي لتتشكل صورة سعد الخبايا في نماذج متعددة لها مقوماتها في البناء الروائي وتشكلاتها لتكون شخصية محورية في الفترة الواقعة قبل احتلال يافا عام 1948م من قبل اليهود وتهجير الفلسطينين عبر البحر، حيث افتتح بكر سباتين روايته بقوله “الأقدار لا تعبث بك يا سعد، بل تحترم إرادتك، فمتى قررت أمرا قدر لك”، أما سعد الخبايا فيقول في رواية صخرة نيرموندا “كيف أمضي بهذا الرأس الذي ملأته الأساطير بالأوهام فأشق الزحام؟.
ويجيب بكر سباتين في روايته مفسرا شخصية سعد الخبايا بقوله: “سعد مجرد فتى لم يختبر الدنيا.. طريقه شاقة وحياته مرهونة برجم الغيب.. اتركوه يحلم فعساه يجد الطريق”.
2- سعد العاشق: لم يرضى سعد بواقعه أن إبنة خاله ستكون زوجة المستقبل، مما أخاف سعد عندما أخبرته أمه “أنتما لبعضكما” لكن سعد الذي أثرت بحياته “حكايات جدته عن الغولة والجان والشاطر حسن الذي يتغلب على الوحوش أو حتى العصابات الصهيونية التي بدأت تختطف الأمان من المدينة” ليتمثل سعد والده عاشق البحر الذي يلوذ إلى معشوقته نيرموندا “أميرة يافا القديمة”، فنيرموندا هي التي أنقذت والده لتنشأ علاقة سعد بالأميرة الأسطورية ليجد نفسه في مدارج حكاية أو أسطورة نيرموندا، فأميرة يافا قد صمدت في معاندة الأسر في وجه القراصنة ذات يوم غابر، وكذلك بلقيس معشوقته التي توازي في تمثيلاتها لسعد الخبايا ما توازي نيرموندا في تمثيلاتها ليافا، ليقدم لنا بكر سباتين تقابلا بين بلقيس التي مرت بعرشها لتقابل سليمان الحكيم، فهل أضفى الروائي سباتين في صخرة نيرموندا على سعد الخبايا هذه الحكمة ليكون العاشق لبلقيس، حيث تقول رواية صخرة نيرموندا ” تصلب سعد أمام صورة بلقيس وهي تعربد في رأسه المتعب، لتدور كل الصور ثم تستقر على ملامح بلقيس التي لوعت قلبه في قصة حب من طرف واحد” وهذا التمثيل لعلاقة العاشق سعد الخبايا بمعشوقته المحرمة بلقيس هل التي تحمل البناء الروائي وتتابع الأحداث والوصف والسرد ليشكل بكر سباتين هذا العشق في نمو وتطور الحدث الروائي، رابطا تلك الأحداث من خلال الفتاة الصغيرة عبير، التي جاءته لتسن سكينا في يدها وتحمله في فضاءات الرواية حيث يشترك سعد وبلقيس وعبير وخطاف والشيخ وداوود في بحر من الأسئلة المحرمة التي تحمل سعد وبلقيس إلى إجابات غير متوقعة نسبيا ما بين حب بلقيس وحب يافا وعائلته وفلسطين في رحلة الدفاع عن قدسية الأرض.
3- سعد وتحرر الوعي: في صفحة (38) يقول” أين انت ياسفينة نوح فهل من جبل يأويني حتى لا أموت غرقا، يافا تعج في سمائك العقبان” من خلال هذه الجمل التي أوردها سباتين، والتي تعبر عن إرهاصات قادمة لسعد ويافا بحاكمها العسكري وتلك السيارات الفارهة، مما آثار الشجن، وهو يدلف خمارة الياس الأرمني حيث النزلاء العرب القادمين من كل صوب الطالبين للرزق ولمتع الرخيصة في شوارع يافا المتوارية، حيث حفزت هذه الإرهاصات تقابلا فنيا مع واجب القتال في صفوف المقاومة ضد العصابات الصهيونية، مما أعاد لسعد تحرر الوعي في ذاكرة ملتهبة، وبحثه عن كرامته في مواجهة خصومة في الميناء والتي يقابلها تحرر الوعي ومواجهة خصوم يافا عله يعلق جرس الخطر في حركة دراماتيكية في مقر حزب النجاد، لكن هذا الوعي اصطدم بداود اليهودي الذي يلبس ثوب الطيبة ويخفي خبث الأرض في قلبه.
فالهجرة اليهودية مشروع إنجليزي لا بد للوعي أن يتصدى لها بالمقاومة وكذلك التصدي للمؤامرة والعصابات الصهيونية ليقول سعد في سره ممثلا أول وعي سياسي في حياته “أوغاد تتصارعون على الألقاب والمناصب ثم تكذبون” لتبدأ المظاهرات من مسجد أبو نبوت بعد صلاة العصر، حيث يشترك فيها الغني والفقير، فهل تهجع ذاكرة سعد أم يتوغل أكثر في ذاكرته.
ليقارن سعد الخبايا بين المشهد المكتظ بالشارع والمشهد البائس في بيته حيث أخوانه الجياع وأمه حول المدفأة يحلمون بوجبة غداء تسد الرمق.
فهل العمل لدى داوود هو الحل، داوود الذي أحضر معه طائر الوقواق إلى يافا ووكالة شيميل اليهودية للنقل البحري، تمثيلات الشيطان الذي يغزو يافا من البحر والبر والجو، فطائر الوقواق بصوته القبيح الذي يغتصب عشوشا ليست له، ويضع فيها بيضة مخرجا أصحاب العش من عشهم والحلول مكانهم، كما وكالة شيميل البحرية التي تمارس نفس الدور وتمارسها أيضا العصابات اليهودية وكذلك الدعم الإنجليزي لتلك العصابات، فما الذي تفعله نيرموندا لحماية يافا وما الذي يفعله سعد الخبايا وبلقيس في حماية يافا، فبلقيس التي تمثل نيرموندا تلوح بذراعيها وتقول لسعد “استيقظ أيها الأبلة المهمش أنهم ثوار غرقى حذفهم البحر إلى صخرتي فأنعشت حياتهم، فهل نيرموندا ما زالت قادرة أن تتلقف ما يرميه البحر إليها”.
4- سعد الباحث عن عشقه: “كان يدرك أن للسر بقية في حشاياه، سيجد مكان إقامة بلقيس حتى يتفاعل مع قصتها مباشرة فذاكرته حافلة بالتفاصيل” ، فالطفلة عبير هي التي أيقظت وجدانه من جديد، فهو يرى بلقيس في هذه الطفلة “بلقيس كم تشبهك هذه الطفلة كأنها جاءت لتحرضني للبحث عنك” وكما أن يافا محطات بالنسبة لسعد أو أن سعد تمثيلات بالنسبة ليافا، لذلك بحث عن طيف بلقيس في الأمكنة، محاولا العثورعلى سكين بلقيس التي أمست مواله في كل محطة من محطات يافا، يضع فيها آلة الجلخ أمام مسجد البحر أو عند الجمارك في الميناء أو تلك الأماكن المكتظة بالناس في أحياء المنشية والرشيد، باحثا عن ضالته التي تعبق بأريج الحب المستحيل، فكيف له أن يلتقي نيرموندا، يستطلع سعد مسجد طابيا الوردي، وبوابة بوغاز البحرية أو أمام مقهى أبو شاكوش، وخلال رحلة البحث تصدر حكومة الإنتداب بإعتقال كل عربي يحمل في طيات ملابسه سكينا، ليشكل داوود تفاصيلا كثيرة خلال رحلة البحث عن بلقيس كثيرة الذكر، كثيرة الظهور في مخيلة سعد الخبايا، فهل يجدها سعد، وفي أي ظرف يلتقيان.
وقد اشتبكت رحلة البحث عن بلقيس برحلة البحث عن عبير واختفاء خطاف رئيس البحارة، ليشارك ماهر شقيق بلقيس والشيخ رضوان في رحلة بحث مزدوجة ظاهريا عن عبير وباطنيا عن بلقيس في قلب سعد الخبايا.
ليصبح الاستاذ كنعان شريكا جديدا في رحلة البحث ومشاركة بنات الاستاذ كنعان بهذا البحث، الذي كان عبد الجواد حلقة الوصل فيه، والعرافة حلقة وصل أخرى في رحلة البحث، ويكون الباشا وابنته المحامية حلقة بحث ثالثة عن بلقيس ويافا ونيرموندا والحقيقة التي تكاد تضيع بين تلك الحلقات الخفية والإشارات التي لم تتضح فيها الرؤية.
لتتحول رحلة البحث عن بلقيس إلى رحلات في البحث عن داوود وخطاف وعبد الجواد، حتى فكر الشيخ رضوان والأفكار تتصارعه متسائلا ” كان السؤال يطرق رأسه حول الجدوى من إعطاء قصة الطفل المجهول عنوانا ضيقا وكان يتخيل القضية بأنها أكبر من ذلك”
5- سعد لثائر: تبدأ ثورة سعد الخبايا بإرهاصات كثيرة، بثورة العاشق لبلقيس وثورة الحامي لعبير والباحث عن أمنها وسلامتها وثورة سعد الخبايا المعيل لأختيه وأمه، حيث أتهم سعد الخبايا عاشق يافا وحجارتها وزقاقها وشوارعها وبياراتها وبحرها، اتهم بقتل العرافة، فتطلبه الأجهزة الأمنية ويخفيه عنده جابر لأسبوع أو أكثر، حتى تبدأ الأحوال لكن سعد الثائر يولد من جديد ليتحول من سعد المواطن العادي إلى سعد الثائر، هذه الولادة التي تشكل منه مغامرا ينظم إلى الثورة رفيقا ومحدثا للأستاذ كنعان تاركا آلة الجلخ، ليصبح سعد الخبايا من الذين يعرفون تفاصيل ما جرى في اجتماعات الباشا والاستاذ كنعان، مترقبا المفاجآت ويصبح مطلوبا لدى سلطات الإحتلال، فيصبح سعد الخبايا مساهما في أدوار اسنادية للعمليات العسكرية التي ينفذها الأحرار والثوار ويكتسب مزيدا من الثقة عنده فيودع أهله ويذهب فيعمليته المترقبة.
كل هذه التطورات جعلت من سعد حاميا جديدا ليافا وكأنه صخرة جديدة تضاف إلى صخرة نيرموندا ورجالات يافا الذين يعملون على حمايتها.

تمثيلات بلقيس:
إن الدارس لقصة بلقيس في القرآن الكريم والكتب المقدسة يستمد فكرته مباشرة من ذلك الجمال الذي حظيت به بلقيس في أذهان الناس،حتى أصبح أسم بلقيس يعني الجمال وسبأ واليمن السعيد، وهذا التمثيل (الصورة) نمطية أولية برزت في رواية صخرة نيرموندا، حيث بلقيس الجميلة التي عشقها سعد الخبايا وتزوجت من رجلين من قبله.
وهذا التمثيل الجمالي (الصورة الجمالية) لبلقيس التي أورثت هذه الصفة لإبنتها عبير والتي تعد أحد المحركات الرئيسية فيبناء رواية صخرة نيرموندا.
ولو درسنا التقابل بين سعد الخبايا الذي ظهر في جميع مفاصل الرواية على عكس بلقيس التي ظهرت قليلا لكنها محور الإهتمام في البناء الروائي، لتتشكل بلقيس في صور تقليدية مثل الجمال والحب، لكن القارئ المتمعن يجد في بلقيس تمثيلا (صورة) أكثر أهمية في بناء رواية صخرة نيرموندا التي تقدم لنا تقابلا بين بلقيس التي أخذت الهدايا لسليمان عليه السلام لتبعد قومها ونفسها عن قتاله، وبلقيس الشخصية المحورية عند بكر سباتين التي تقود القتال في نهاية الرواية عندما تحمل السلاح وتقود الجماهير إلى المقاومة.
ليذكرنا هذا التمثيل بالثورة الفرنسية ولوحة (يوجين دولكروا) التي أخذت اسم الحرية تقود الجماهير وتتصدر اللوحة بلقيس فرنسية وربما فينوس على شكل فتاة تحمل الراية وتقود الجماهير إلى التحرر.
هذا التمثيل وهذه الصورة هي الأكثر رسوخا وأعمق معنى في رواية صخرة نيرموندا، وكانت بلقيس قبل ذلك تحمي الثوار في بيتها في يافا، مما يدفع القارئ للتصور بتقابل جديد بين نيرموندا التي ضحت بنفسها أمام التنين (كراكون) لحماية يافا وبلقيس عند بكر سباتين التي تضحي بنفسها أمام تنين الإستعمار والإغتصاب اليهودي والبلطجة الإنجليزية التي تأخذ الحق من صاحب الحق وتعطيه لدعاة تربوا على الذل والشتات.
تقابل الأسطورة:
امتازت رواية صخرة نيرموندا يتوظيفها الفني للأسطورة لتساهم في إعادة بناء العمل بعد تفكيك الأسطورة بما تقتضي الرواية من حاجة فنية، حتى لا تتغول الأسطورة على النص الروائي، بل أن النص الروائي هو الحاضن للأساطير الثلاث المتشكلة داخل رواية صخرة نيرموندا.
وكما استفاد بكر سباتين في روايته من شخصية سعد الخبايا الذي يمثل الفلسطيني الواعي بتمثيلاته المتعددة وصولا إلى الثورة على القهر والظلم والإحتلال فقد قابل بكر سباتين في روايته سعد الخبايا بشخصية داوود اليهودي الذي يظهر الحب للفلسطينين لكنه في نفس الوقت قاتل وعميل للعصابات الصهيونية وشركة شيميل للنقل، ليبرز التقابل بين شخصيتي سعد الخبايا وداوود تقابلا آخر بين الطيورالتي تسكن في أعشاشها على أشجار يافا وبياراتها وطائر الوقواق الذي أحضره داوود من تاجر يوناني ليكاثر وجوده غير الشرعي على أرض فلسطين، كما هو التكاثر غير الشرعي لليهود في يافا وعلى رض فلسطين.
فالأسطورة ساهمت في تنمية الحس الروائي بمضامينها السياسية والاجتماعية كما ساهمت التقابلات في إعلاء البناء الروائي لقصة يافا من الداخل، حيث تشكل التقابلات أسلوبا فنيا آخر في البناء الروائي إضافة إلى الأساطير وأسطرة النص، كما استخدم بكر سباتين أساليب فنية وتقنيات متعددة في روايته، لكن الأسطورة هي السمة الأبرز في العمل الروائي والتقابلات مكملا ومعادلا موضوعيا فنيا في بناء العمل الروائي.
الخاتمة:
إن رواية صخرة نيرموندا للروائي بكر سباتين من الأعمال الروائية الفنية التي تحمل مضامينها السياسية والاجتماعية في حرفية الروائي الذي استعار الأسطورة، ليس قناعا بل ليقدم لنا تمثيلات الشعب الفلسطيني وبحثه عن الحرية والمقاومة الدائمة وعدم الرضوخ لمنطق القوة في شخصيات أحسن أختيارها وهي سعد الخبايا وبلقيس اللذان مثلا منهجا أدبيا وإنسانيا وتراثيا في تمكين الوعي للبحث عن الحرية.

شارك على
Comments (0)
Add Comment