تأملات قرآنية … بقلم: د. هاشم غرايبه
تكملة للدروس المستفادة من سورة يوسف، سأعرض مسألة العلاقة بين الرؤيا في المنام والواقع، وبشكل أدق: هل يمكن للرؤيا الإخبار بالغيب؟.
لقد وردت الرؤيا كإخبار بالغيب مرتين في هذه السورة، وجاءت الصورة المرئية في الحالتين بصورة رمزية، واستطاع من أعطاه الله المعرفة (تأويل الأحاديث) تفسير الأمر الذي سيحدث مستقبلا، وحدث فعلا كما قال.
ولما كان العلم بالغيب أمر اختص به الخالق عز وجل ذاته العلية: “عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ” [الجن:26]، لذا فهنالك جملة من الأمور المتداخلة في هذا الموضوع، يجب فهمها بشكل دقيق:
1 – في المرتين كان الرائي لا يعلم تأويل رؤياه، في الأولى كان يوسف صغيرا، فهم تأويلها أبوه يعقوب ولم يبينه لابنه، لأنه عرف أنها بشارة من الله للأب بأنه سيكون ليوسف شأن عظيم، وفيما بعد كانت هي التي طمأنته على أن ابنه لم يأكله الذئب كما ادعى اخوته.
وفي الثانية كان الرائي هو الملك، لذلك فهي حالة استثنائية أن تكون الرؤيا لغير نبي أو من الصالحين، لكننا عرفنا من السياق أنها كانت الوسيلة التي قدرها الله لإخراج يوسف من السجن ورفع شأنه، بدلالة إصرار الملك على طلب تفسير لها.
2 – الرؤيا الصادقة تكون للأنبياء بمثابة الوحي، فقد مدح الله ابراهيم عندما أخذ بمنطوق الرؤيا التي رأى فيها في منامه أنه يذبح ابنه: “وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ” [الصافات:103]، فلا شك أنه عرف أنها أمر من الله، فنفذه، ولم يبحث للرؤيا عن تأويل.
3 – لا يقتصر إعلام الله بالغيب لمن ارتضى من رسله على رؤيا المنام، فقد أعلم المسيح عليه السلام بما كان يخزنه القوم وما يدخرون في بيوتهم: ” وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ” [آل عمران:49]، كما أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدة أمور مثل خيانة حاطب ابن بلتعه، ومؤامرة اغتياله من قبل عميربن وهب، وما حدثت بعض نسائه لبعضهن: “فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ” [التحريم:3]، كما كان يُعلم يوسف عليه السلام وهو في السجن بما سيأتيهم من طعام: “قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِۦ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا” [يوسف:37].
4 – هكذا نتوصل إلى أن رؤيا المنام ليست حكما هي إعلام بالغيب، إنما هي حالات نادرة معدودة، أوصل بها الله معلومة هي بظهر الغيب لمن اراد.
5 – لذلك ليس لتفسير المنامات أي أصل شرعي، فهي بالأصل انعكاس لما في العقل الباطن، وأما الاستناد على الحديث الشريف “الرؤيا من الله والحلم من الشيطان” فلا تعني أن ارادة الله في تصارع مع إرادة الشيطان من خلال الأحلام، بل هي لحث الناس أن لا يتبعوا ما يرونه في أحلامهم، فما يراه المرء في منامه لا يمكن أن يعتبر إشارات لما سيحدث في قادم الأيام.
6 – نخلص الى أنه لا صحة لادعاء المشعوذين والمتاجرين بالخزعبلات بأنهم أهل تأويل، لأن الله لا يُعلم أحدا بالغيب، والاستثناء الوحيد هم من اختار من رسله، وبأمور محددة شاءت حكمته أن يعلموها، وقد التغى هذا الاستثناء لأن الرسالات انقطعت.
لذلك فلا يجوز تصديق من يدعي الاتصال بالغيب من خلال ادعائه بأن أحلامه هي رؤى من الله، وما ادعاء البعض بالقدرة على تفسير المنامات إلا هي ادعاءات الكهنة والعرافين، ومن باب الإلتفاف على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتحذير من إتيان هؤلاء: “من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة” [صحيح مسلم].
7 – تبقى مسألة الاستخارة، فهي ليست حالة اتصال مع الغيب، بل هي وسيلة لاستحضار مكنون الحكمة الخالصة التي أودعها الله في النفوس، فعندما يصلي المرء بإخلاص ليلاً، تصفو نفسه من المؤثرات المادية الجانبية التي تعترض الخيارات العقلية المنطقية، وعند نومه بعد ذلك، يبقى العقل الباطن صافيا محررا من تلك المؤثرات، فعندما يصحو تدله الاشارات المنطقية في ما رآه في نومه الى الخيار الأفضل.