الاجتثاث وثقافة القطيع في روايات” عبده خال “

الاجتثاث وثقافة القطيع في روايات “عبده خال”

د. آمال كبير – الجزائر

ملخص:

حملت الرواية السعودية الكثير من الرؤى الفكرية المتباينة، وتزعمها ثلة من الكتاب تفرّدوا إبداعا وتميزا وجدّة، إذ لا يمكنك أن تقول عن رواياتهم ما تقوله عن أية رواية عربية أخرى.

الإحساس العنيف بالصدمة؛ صدمة البداية وصدمة النهاية في روايات (عبده خال) يجعلك قارئا متحفّزا للبكاء حينا وللصمت حينا آخر، أو أن تشارك الكاتب نحيب الكتابة المزمن دون أن تشعر بالامتنان للحروف المنسابة من جراب النقد كيفما اتفق.

تمهيد:

تطالعنا روايات (عبده خال) بأخبار شتى، وتلج بنا دهاليز المجتمع السعودي العربي المسلم، كمن يختار بيت الأموات من بين كل الألعاب التي يصادفها في مدينة الملاهي، مثبتا لنفسه أن أحاسيس الخوف لا تنتاب الشجعان وهم يعرفون أن ما يرونه ليس إلا خيالات ودمى تحركها اختلاقات الفن والإبداع لتخترق المألوف، غير أن الكاتب لا يرى كتابة الموت بالطريقة نفسها التي يراها بها القارئ ” الموت عندي ليس بمفهوم الفناء، بل بالمفهوم الفلسفي للموت. الموت جزء من الحياة، ليس هناك موت، فأنت تحمل الماضي إلى المستقبل، وتحمل المستقبل إلى الماضي، في لحظة استقراء أنت تحملها، الموت هو لحظة مرئية بالنسبة لنا نعتقد معها أن الحياة قد انتهت، ولكنها لا تنتهي، بل هي نقطة انتقال إلى آخر، هذه النقطة الأخرى هي التي لا نعرف عنها شيئا سوى محاولة تشوق للوصول لها” وبين تلك الروايات سيلعب النقد لعبة مقيتة أمام المنجز المبعوث برسالات اليقين. فماذا يمكن لناقد حصيف أن يضيف؟. لا شيء يستحق الصمود أمام فسوق الكتابة المتحصنة بالثبات والمتعرية من عريها المسعور.

1– ثقافة القطيع واغتيال الأنثى:

تتمحور أحداث رواية (فسوق) حول شخصية “جليلة” وهي امرأة ميتة قيل إنها هربت من قبرها، تصنع المفارقة منذ بداية الرواية وفق حالة غير قابلة للتصديق؛ إذ لا يمكن لعقل سليم أن يقتنع بهروب ميت من قبره، غير أن انسحاب الأثر المتواري إلى الذهن، يفضي إلى قبول إمكانية أن تهرب المرأة من واقعها العربي حتى وهي ميتة “والسبب العميق لثقافة الموت التي نحن فيها هو جهل الإنسان وكرامته. وما دمنا لا نعي ذلك بحيوية فإن الفظاعات والكوارث البشرية ستزداد. ومادام السبب مستمرا، والجهل الجديد تشتد خطورته إجمالا، فإن مفاعيلهما ستحدث وتشتد ” يحاول الكاتب إذا أن يطبق فلسفة الاحتمالات المنطقية باستمرار بأن يجعل الراوي محقق شرطة، وهذا ما يجعل تقليب الاحتمالات بصيغتها المباشرة يأخذ منحى معقولا ومقبولا لدى القارئ، الذي يكون طيلة الوقت مذهولا من الحقائق المتوالية التي لا يمكن الاستعاضة عنها بالخيال.

كما يختلق فكرة المذكرات بعدّها وثائق لا تقبل الجدل، غير أنه يضفي عليها نفسه جدلا مقصودا ومبتكرا من خلال فعل التشكيك المستمر، وهو تشكيك يخرج بالقصة عن إطارها الأوحد ويجعلها قابلة لأن تكون قصة كل امرأة هربت من واقعها مرتين لتموت مرتين.

إن اغتيال الأنثى في الرواية العربية بالشكل الوارد في روايات (عبده خال) – سواء أكان اغتيالا جسديا أم معنويا- ” هو اغتيال للثقافة ذاتها، بوصفها المجال الأسمى والأرقى الذي يمارس فيه الإنسان إنسانيته، سواء نظرنا إلى الثقافة بوصفها بنية مستقلة، معزولة ومحكومة بقوانينها المستقلة عن قوانين المجتمع، أو نظرنا إليها بوصفها انعكاسا، أو إفرازا لنشاط قوى اجتماعية، مع الإشارة إلى أن محارق الثقافة لم تنقطع عبر مراحل التاريخ، وهي مستمرة إلى عصرنا الحالي، وهي لا تزال مرتبطة عبر صيغة محرق الرّيادة الأنثوية واغتيالها” لهذا لا ينتصر الكاتب في هذه الرواية المفزعة للمرأة بعدّها جنسا مختلفا عن الرجل فحسب، بل بعدّها إنسانا مهمّشا غير مؤهل اجتماعيا للتمتع بنعم الله عليه، ونقصد هنا؛ النعم الطبيعية التي حبا الله بها كل إنسان، على هذا يزاوج بين ما يحدث لجليلة وما يحدث لشفيق الدّفان الذي ينتهي حبه لها بمأساة موازية، تشترك فظاعتها مع فظاعة الموت الحيواني الذي تتعرض له “جليلة” ” صرخة عميقة لم تستكمل نموها لإيقاظ النوافذ السادرة في سباتها، وقع الجسد بين يدين: يد حاضنة ويد طاعنة.. لم يكن القاتل قادرا على البقاء لرؤية بقية الدم الذي أراقه. وكان العاشق فزعا. فتخلى الاثنان عن بدن بحث عمن يسنده، فلم يجد إلا أرضا صلدة يهوي إليها باحثا عن دمه” فيهيئ الكاتب هنا مصادفات مقصودة، ليكون في صف القدر حينا وفي مواجهة زيف السلطة حينا آخر دون أن يتوارى خلف القيمة المبتذلة لثقافة القطيع؛ وهي الثقافة التي يظل ينتقدها ويعطي على لسان بعض الشخصيات البدائل الموضوعية، التي يمكنها أن تحل تلك المشاكل العالقة بالفكر في مجتمعه العربي الإسلامي، مبينا أن تلك الممارسات ليست إلا أخطاء بشرية فردية، تحولت بفعل الشيوع والاستمرارية إلى نسق ثقافي ناتج عن سوء التأويل الديني، وهنا يبدو النمط العام للرواية العربية المعاصرة، وهو “غياب القضايا الكبرى والخوض في القضايا الذاتية، ما يزال هناك من يؤمن بالشعارات القديمة، وبوجود القضايا الكبرى، ولكن الحياة لفظت نفسها، الإنسان الآن ومع الانفتاح والتواصل والمعلوماتية والمعرفية والإعلامية، اكتشف أن هذه الشعارات زائفة وأن من كانوا يحملون لواء القضايا الكبرى متواطئون بشكل أو بآخر، وقد ذهبت الكثير من الدماء والنضالات في الهواء، بعد انكشاف الزيف”

يقايض الكاتب في هذه الرواية الانحراف الثقافي بهيمنة النسق الذكوري الذي يمتهن كرامة المرأة في المجتمعات العالقة بين البداوة والمدنية، لكنه لا ينتصر إليه “إن المجتمعات التي لم تعرف “ثورات ثقافية” في تاريخها الحديث، أو تحولات حقيقية على مستوى القيم الثقافية غير مهيأة لاستقبال ما يزخر به العصر، أو لتفهمه حق الفهم. لذلك يمكنها أن تساجله، أو تنشغل بالتفكير في ذاتها وهي تضع نفسها في مواجهته أو في صراع معه، لكنها لن تدرك أبدا طبيعة النسق الذي يحركه، أو تمتلك القدرة على الفصل فيه، وتبعا لذلك تبقى على هامشه، سوقا للاستهلاك ومنجما هائلا لتوالد المشاكل والصراعات الجانبية والمفتعلة أمدا طويلا من الدهر…” وإذا ما أخذنا طرف الخيط الذي يلمح (عبده خال) إليه من خلال تركيزه على فكرة (الاجتثاث)، فإننا نتتبع تاريخا من الانفصال الحضاري بدأ مع العرب منذ عصور سالفة.

يتبدى نقد المجتمع والسلطة نقدا قاسيا في هذه الرواية، كما يظهر (عبده خال) منتجا للنص النموذج في الخطاب السعودي الذي قلما يخضع لنماذج سابقة التشكيل، بحكم الخصوصية الفكرية والثقافية التي درج عليها دون غيره من المجتمعات العربية الإسلامية، هذا يجعل الناقد متيقنا من أن ما نقرأ عنه دون أن نعيشه لن يكون هو نفسه ما يكتب عنه الكاتب حين يعيشه، إن الفرق بين الحقيقة والخيال في الكتابة النقدية لا يسمح بتطاول أحدهما على الآخر لكنه يسمح بالتأكيد بسرقة أحدهما من الآخر.
فيقدم الكاتب مجموعة من الرؤى المتباينة بعضها تقليدي وبعضها ثوري، وعلى الرغم من أنه يبدو متبنيا للرؤية الثورية بشكل لافت للانتباه، إلا أنه لا يعدم سلطة التقاليد ولا ينفي أثرها على مجتمع لا يحركه سواها ” تحتاج المعرفة إلى فترة زمنية معينة حتى يتم اعتناقها حتى تتغلغل في المجتمع وتتحول إلى سلوك، وما نمارسه اليوم هو نتاج ثقافة قرأناها منذ مئات السنين، حتى رست في المجتمع وتحولت إلى سلوك عام يمارسه الجميع، الثقافة تتحول وتتبدل وتتشكل وفق ظرفية تاريخية واجتماعية وسياسية ” غير أن هذا الكلام لا يحل معضلة الثقافة في العالم العربي، فلماذا تصبح الثقافة الموروثة مثارا للرفض والجدل والتمرد بعد حين، في عالم ينضوي تحت لواء دين سماوي واحد؟ خاصة وأنّ ” صورة المثقف اليوم مرتبكة، لأن صورة المهمة ذاتها التي يتصدى لها مرتبكة، أي غير محددة، وبالتالي غير واضحة، وهذا ما يثير الشكوك لديه ولدى الآخرين، وبالتالي يخلق الالتباس حول دوره، وحول المهمات التي يمكن أن يقوم بها… فعلاقة الثقافة بالسياسة إشكالية كبرى في هذه المرحلة، لأن الخيبات الكثيرة التي تلاحقت عليه خلال المراحل الأخيرة ولدت مناخا ملتبسا، وهذا المناخ حمل معه أوهاما، الأمر الذي يقتضي فتح حوار واسع من أجل الوصول إلى صيغة جديدة تحدد العلاقة بين الثقافة والسياسة وبين المثقفين والسياسيين ” هنا لا بد أن نشير إلى أن العرف يلعب دورا مهما في المجتمعات العربية، دور ربما لا يلعبه الدين ذاته؛ إذ ” تقوم الثقافة العربية على رافدين جوهريين، هما الإسلام والقبيلة، اللذان يتنازعان التأثير على الفكر العربي على مدى قرونه كلها، ويتفقان في وجوه ويختلفان في وجوه، ويتناقضان في أخرى، أحدهما يعطي مثاليات معنوية راقية ومتعالية والآخر يعطي قيما ثقافية متضاربة بين العملي والإنساني من جهة وبين العنصري والنسقي من جهة ثانية، وعلى ذلك علامات تكشفها المقولات كما يكشفها السلوك” على هذا يواري الكاتب بعض ما يجب أن يقال ويمرر النسق الذي ينتمي إليه بسلاسة فائقة التأثير، فنقف أمام اللاجديد واللامفيد، ” وليس من الصعب كذلك أن نجد في نبرة خطاب (المساواة) و (المشاركة) إحساسا بالتفوق نابعا من افتراض ضمني يحمله الخطاب بمركزية الرجل/ المذكر، فالمرأة حين تتساوى بالرجل، وحين يسمح لها بالمشاركة، فإنما تشارك الرجل، وفي كل الأحوال يصبح الرجل مركز الحركة وبؤرة الفاعلية” ماذا يمكن لرواية كهذه أن تغير أو أن تحرك، والكاتب يقف معزولا عن فعل التغيير؟ في خطابه الروائي ومضات فكرية مندّدة ومناهضة، غير أنها آنية ومنفردة ولها من الآثار ما يبرز ضعفها وعدم قدرتها على التأثير، ماذا يمكن للرواية أن تفعل والراوي نفسه يتوارى حينا ويختفي أحيانا أمام أفكار المجتمع التي يحاول أن يكشف قسوتها؟ لماذا كان عليه أن يداهن على لسان شخصياته الطامحة إلى إثارة الجدل ومحاولة التغيير؟ ولماذا جعل منها مجرد شخصيات سلبية تتحاور تحت وقع الدخان المنبعث من النرجيلة؟

أسئلة تفتح آفاق القول والجدال أمام رواية من المفروض أنها أثارت نفسها جدل القارئ منذ سنوات، فهل يريد الكاتب أن يعرض فقط ما يشعر أنه ثقيل وممل وقاس، ثم ينزوي عند هامش الكتاب ممررا كرة خاسرة وهدفا مفتعلا إلى قارئ أكثر تهميشا وضعفا؟ ولهذا فهو يقول في أحد حواراته: ” عشت في مناطق مختلفة تحمل شخوصا مختلفة، تدخل هذه الشخوص في باب الشخصيات القلقة والمحرمة، التي لا يرضى عنها المجتمع، وهاجسي هو كيف أخرج هذه الشخوص لتعبر عما تريد من دون خوف أو قلق من هذه المحرمات التي يفرضها عليها واقع اجتماعي وسياسي وديني مؤقت. فكلما كتبت شخصية وجدت أن ثمة شخصيات أجمل وأروع في داخلي لم تخرج بعد. وذلك لأنك أصبحت تحت الضوء، وأصبح ما تكتبه من دون شعور، وأنت في لحظة منفلت من قيود يمثلها الآخرون عليك، وكلما تسلط الضوء عليك قلت حريتك في الكتابة والتعبير” إن هذه الرواية كغيرها من الروايات العربية التي يدعي النقد أنها روايات التمرد والثورة والتنبؤ ووو… ليست إلا تعبيرا عن نسق مغالط، يتماشى طرديا مع كثافة الضعف الذي يعانيه المجتمع الإسلامي من ضروب الجاهلية والتجهيل، والكاتب يشير تباعا إلى أنواع الهروب التي يلجأ إليها البشر في مثل تلك المجتمعات، وإذ نقول البشر فإننا نعني رجاله ونساءه، غير أن الانهزام الذي ابتليت به المرأة في الروايات العربية من خلال تقديم مآسيها على أطباق اللغة السردية، ليس إلا ستر عورة موبوءة لذكور العرب المسلمين بالميلاد وبالوراثة.

لماذا إذا يندرج القهر مع أشكال التغييب القسري للمرأة كإنسان موجود بالفعل وبالقوة؟ ولماذا تمت استعارة ضروب مقيتة ومغلفة بأغلفة دينية مفتعلة؟ ” – يا ويل امرأة تسفر عن وجهها في هذا البلد !

الوقوف أمام إشارة المرور يحوّل رقاب الرجال إلى بوصلات منصوبة تبحث عن أي امرأة كي ترشقها بنظرات حداد ويقضي الرجل منهم ثواني الانتظار أمام إشارة المرور الحمراء في حكاية حلم أن تحبّه امرأة عابرة.
– غطي وجهك.”

فما الذي يريد الرجل أن يخفيه فعلا؟ هل يريد ستر المرأة كما نص الدين الإسلامي على ذلك، أم أنه يريد أن يواري سوءته الفكرية وذله الشبقي بمبالغته في إخفاء جسد إنساني وإماتته موتا بعد موت؟

أين هو صوت “جليلة” في رواية (فسوق)، وإن كان لحكايتها صوت يجب أن يسمع، لماذا حكم عليها الكاتب بالموت دون أن تروي قصتها، قصة ما قبل الموت، وما الذي يمكن أن يكون قد أضيف إلى صوت أي امرأة أخرى حين ماتت “جليلة”؟ ولماذا يجب أن تكون حكاية المرأة حكاية تروى من قبل الرجل؟ حتى لو بدا أنها تقول شيئا ” قلب المرأة إذا دق بمسمار الحب ثبت، فهي تفضل أن تكون تائهة في دم هواها وتمعن في سفكه كي يرأف بها قاتلها، هي لا تريد يقين الحب بل ضلاله. ومن يصل إلى ضلال الحب يعش عاشقا… وأنا أستظل بهذا الظل منذ الطفولة الأولى. المرأة تفضل ثبات صدأ حبها على أن تكون لامعة في كل حين من غير إحساس بوجع العشق، فكما هي مهيأة للولادة هي أيضا مهيأة لزفرات لوعتها، فمن غيرها تشعر بأن قلبها عاقر كرحمها إن لم يضم جنينا. هي بحاجة للحب كي تنزف من خلاله كي تحيا ومن أجل أن تتذكر دائما أنها ضحية “

في الحقيقة إن الحبكة بذلك الشكل المكرّر لم تنتصر للآخر المختلف (المرأة)، ولم تقدم له شيئا في روايات (عبده خال)؛ لأن النتيجة التي يصل إليها تكون دائما نتيجة مختلقة لنوع من المباهاة بوجود المرأة على ما هي عليه، فيكون تقديم تلك النماذج الأنثوية المختلفة مشوبا بقلق عارم في حركات الشخصية، ومبطنا بمساحة قاتمة من الندم والانكسار، ولهذا فهو يزيدها طمسا وتغييبا.
بل إن التركيز الذي لا يتبدى واضحا في حركة الشخوص، لم يكن على شخصية المرأة بقدر ما كان تركيزا على شخصية المهمش البديل؛ وهو الأجنبي الذي لا حق له في الحياة الطبيعية في مجتمع لا يؤمن بغير ذاته، ففي نهاية رواية (فسوق) نجد زاوية التعاطف من قبل القارئ تتجه صوب الدفان وتهمل أمر “جليلة” وكأن موتها نفسه، وبتلك الطريقة بالذات، ليس هو الحدث الذي يستحق الاهتمام، إنما فقدانها من قبرها – باعتباره الساتر الأكثر أمنا من منزل الأحياء الذي لم يكن قادرا على تأمين ذلك الستر المزعوم – هو ما جعل حكاية موتها تبدو مهمة إلى حين.
في الوقت نفسه سوف نجد تباعا أن تشويه انتماء الدفان يزداد هيمنة على المعنى، كلما أمعنّا النظر في القيمة التي يصل إليها القارئ عند الانتهاء من تقليب دور الشخصيات كل على حده، فالدفان المنبوذ قبلا تسند إليه قضية أخلاقية جديدة تتمثل في الاعتداء على شرف النسب من خلال “جليلة” الميتة، فجسد جليلة من جهة سيصبح جسدا مدنسا حيا وميتا، والدفان المنبوذ سيظل منبوذا طيلة زمن الرواية وسيستمر نبذه في ذهن القارئ بعد أن يفرغ من القراءة.

ما نريد أن نوضحه هنا؛ هو أن هذه الرواية أبقت على مرتكزات الهيمنة الفكرية في المجتمع الذي تنتمي إليه كما هي، بل زادتها توغلا وتأصيلا، وقد كان بإمكان الكاتب أن يحمي الأجنبي انتصارا لقيمة الإنسان ولمفهوم الحب غير المشروط بين البشر، دون الحاجة إلى تقليب سلم الطبقات الاجتماعية المختلقة وإعادة تصنيف الشخصية في أقل درجات الهرم الاجتماعي قدرا ووجودا وحقا، ولا ينتهي أمر الانتماءات العرقية في روايات الكاتب هنا، إذ نجد فعل التشويه والتهميش يعلن عن نفسه مرارا في رواية (لوعة الغاوية) حين تلصق تهمة العبث بالشرف عبر فعل الاغتصاب المشين للقاصرات، الذي يقوم به فرد غريب قد تكون أصوله عربية قحة لكنها – بحكم التصنيف الروائي – تعد أصولا بدوية ممعنة في البدائية والابتذال، ومع أن الأمر ليس كذلك بل هو مجرد افتراء على رجل ضائع بين روح تعيش داخله (روح توأمه حفصة)، وروح تعيش بعيدا عنه (روح حبيبته أنس)، إلا أن الكاتب يجد فرصة لإعلان العصبية القبلية التي مازالت جذورها ضاربة بعمق في بنية المجتمع وفكره ” مبخوت قدم من أطراف تهامة، وأنا أنحدر من أصول تهامية. تلك الأصول الراغبة في بذر نفسها في بقاع مختلفة من العالم وكأنه المرض الذي عليه أن يقطع الكرة الأرضية قبل أن يحين أوان التطعيم لإيقاف استشرائه. يؤكد أبي دائما نقاء سلالته ويتحسر على نطفته العربية الخالصة التي لم يمسسها تبدل إلا على يديه حين خالط عرق أمي المغاربي، ليغدو هذا الاختلاط محل مماحكة بينهما، فهو يدّعي عروبته الخالصة التي وهبها إياه لإضفاء التهذيب على بربريتها المهجنة وهي تراه عرقا نافرا لم يشذب، التصق بها على حين غرّة ولا تعرف كيف التف حول شجرتها الخضراء ” وبعد هذا وذاك، تقف قضية الحرب اليمنية السعودية في معرض الحديث عن الانتقال للبحث عن حبيب غائب يتلظى صدر امرأة ورجل به، مطعونان في شرفيهما وغائبين عن منطق التفكير إلا في خفقة القلب عشقا لغائب لا يأتي إلا على أجنحة الموت المتعجل، ليقول إن الحب لا يمكنه أن يعيش بين طلقات البارود التي يتبادلها الإخوة ضد بعضهم البعض، أو ليقول إن زمن الحب لا يوافق زمن الحرب.

وإذا كان على الرواية أن تقدم البديل المفترض لواقع لا فكاك منه، ما هو البديل الذي يمكن أن تكون روايات (فسوق/ ترمي بشرر/ لوعة الغاوية) قد قدمته للقارئ؟
ما نجده في هذه النصوص فعلا؛ هو أن (عبده خال) يقدم خطابا مركزيا متواريا خلف هالة من الضجيج الحكائي الذي لا يكشف نفسه مباشرة، إنما يترك مسافات بينه وبين القارئ كائنا من كان، هذه الميزة كثيرا ما نجدها عند الكتاب الذين يعيشون صراعا داخليا بين المكانة التي يحظون بها، وبين ما لا يريدون فقده، على هذا ليس غريبا أن يدفن الكاتب المرأة لأن المجتمع يريد ذلك، ثم يعاود بعثها كي يقضي على كائن آخر ليس أقل عذابا منها، وفق إملاءات المجتمع المفروضة عليه، لينتهيا معا إلى تغييب متشابه لا فسحة فيه للحياة، بينما ينسى الكاتب أو يتناسى أمر القاتل الفعلي وكأن الرواية لم تبدأ بالبحث عنه أصلا، مما يجعل الأمر يبدو وكأنه مسلم به منذ البداية، وأن الأمر لم يكن أكثر من مراوغة سردية لقول ما هو موجود بالفعل، أو لقول ما يجب أن يقال ” أعرف نفسيات رجال بلدي جيدا، فقد تقلبت في معاملاتي بين العشرات منهم، وكل واحد منهم مفتاحه المرأة، إلا أن سنن المفتاح تختلف تعرّجاتها باختلاف القفل لكنه يفتح على أية حال. أما الأقفال المفتوحة أصلا فمن الغباء إدارة مفتاح في ثقبها…” وعلى الرغم مما يفصح عنه الكاتب بين الحين والآخر حول طبيعة الرجال في مجتمعه، بالكشف عن سماتهم ونفسياتهم ومزاياهم، إلا أن أسئلة النقد البعيد عن طبيعة تلك المنطقة تبقى نفسها؛ الأسئلة ! مجرد أسئلة تتشابه ضمنيا مع الموضوعات التي طرحها الكاتب في نصه الروائي ولم يجد لها حلا ولا بديلا.
لماذا يفعل الرجل العربي المسلم بنفسه ما يفعل؟! ربما يريد الكاتب في هذه الرواية أن يجلد الرجال بسياط العار الذي ينتمون إليه، إنه يخبرهم تباعا أنهم يضطهدون أنفسهم – في الحقيقة – حين يحولون المرأة إلى مجرد وعاء لممارسة سلطاتهم بدونية واستغلال.

وإذا أمعنا النظر في طبيعة الانحرافات الخلقية؛ وهي انحرافات جنسية في مجملها – جاءت علنا في الرواية – فإننا نلحظ ملاحظات مهمة، مختصرها أن تلك الممارسات الشاذة عرفت لدى الإنسان منذ بداية الخليقة بصرف النظر عن كونه عربيا أم لا، وقد امتدت جذورها في بعض المجتمعات غير العربية (الشغف بالغلمان أو بالمذكر عند الفرس)؛ وهو ما نجده في رواية (ترمي بشرر).

الاجتثاث القيمي وعبثية الثقافة:

رواية (فسوق) تشير مرارا إلى (الاجتثاث)، ويبدو أن كل ما يشير إليه الكاتب بعدها من انحرافات إنما هو نتيجة فعلية ومؤكدة لذلك الاجتثاث (القيمي والفكري والثقافي)، الذي حوّل الرجل العربي إلى وعاء مفرغ من المادة الروحية والفكرية التي كان عليها، ومهما حاول البعض أن يتشدق بطبيعة الحياة اللاهية العابثة التي كان عليها العرب قبل الإسلام، فإنهم لن يتمكنوا موضوعيا من إثبات أية علاقة بين ما وصل إليه مجتمع الكاتب من انحراف وبين ما كان سائدا في المجتمع العربي قبل الإسلام.

  • لكن إعادة صياغة النسق الجاهلي لا يبدو جليا إلا في رواية (لوعة الغاوية) التي تسير وفق عبثية تخلقها تفاصيل السرد تباعا، وتجعل متعة تتبع تفاصيل الرحلة القابعة بين الفوضى والجنون، غواية شديدة التأثير على قارئ انتزعه حب الوصول إلى لحظة النهاية، كما انتزع العشق المخبول كل عقل من فكر هؤلاء العاشقين في مكان لا يعترف بالحب ولا يقيم للعشق وزنا، لتأتي الحرب معلنة ألاّ مكان للحب ولا وقت للحياة.

تطالعنا حول هذا المفهوم الرواية الفائزة بالبوكر (ترمي بشرر)، وهي رواية تصب غاية السرد فيها في مصب التّشويه المتقن للآخر على جانبين معكوسين، فعل تشويه للسلطة، وآخر للرجل/ المرأة؛ وإن كان التشويه الأنثوي قد سبق التطرق إليه في رواية (فسوق) إلا أنه في هذه الرواية يبدو أشد مقتا، لارتباطه بكل أصناف المنكرات التي يقترفها الرجل في حق نفسه وفي حق انتمائه الإنساني بالدرجة الأولى؛ إذ يبدو الكاتب في كل نص مصرا على ثيمة خاصة تشير – ضمن بؤرة الانحراف – إلى نسق اجتماعي لا فكاك منه؛ فكما كان الاجتثاث في (فسوق) كان السقوط في (ترمي بشرر).

أعتقد أن الروايتين تصلحان لتبادل العناوين بشكل فعلي، نظرا لحالة الفسوق التي تشيع في الرواية الثانية ولجهنم التي عاشها أبطال الرواية الأولى، فما يودّ الكاتب أن يقوله من خلال تحقق فرضية الوجود الفعلي لتلك الشخصيات في كل رواية، يبدو جليا من خلال مرتكزات التشكيل السردي التي تنطوي على مقصدية تتجاوز الواقع الفعلي، إلى مواجهة أشكال البناء التدريجي للحدث الروائي مواربة للحدث الفعلي الذي تنبني عليه القصة الأصيلة وتنطوي عليه، فمن خلال ما ينفثه الموجود تنطلي حيلة التخييل على نسق الحكاية، فتبدو المبالغة في الوصف سبيلا ضروريا إلى المداورة.
من جديد. نصادف كاتبا يدرك موقعه في عالم السرد جيدا، وهو بهذا الإدراك قادر على التملص من سلطة الحكاية ومن عبء التقرير، كلما ضاقت به الأحداث، وتصاعدت وتيرة الانفعال نحو القول الأكيد؛ على هذا يقدم شخصيات متحققة في العالم الواقعي بشكل أو بآخر، وهو في الوقت نفسه يخفي عنها شبهة البوح بتحميلها صوته السردي الخاص، الذي يحلّق به عبر متعة الوصف الكاشف أحيانا والساتر أحيانا أخرى “الحياة تتوالد بأفعالنا، ولو أننا أقلعنا عن تزويدها بأفعال جديدة لتيبست في مكانها، في كل لحظة أضيع حدثا عابرا فإذا به يتحول خيوط شبكة عنكبوت من الأحداث أحتاج إلى زمن مضاعف للتخلص من خيوطها، محاولة التخلص هذه تدفعني للتورط في فعل آخر، وهكذا تتناسل الأفعال وتتشابك ”
يبدو إذا أن الرواية السعودية على يد (عبده خال) تعود من جديد إلى تفعيل النسق الفحولي، وما يهمنا من خلال رواية (ترمي بشرر) هو تفعيل العلاقة النصية بين الفحولة الفردية والفحولة السلطوية التي تمثل الثيمة الرئيسة فيها ” كما إن وضع الجسد في الخطاب الثقافي العربي العام والخطاب الروائي خاصة له مدلولات مهمة تتعلق بالمحرم والمقدس والديني والأنثروبولوجي، وإعادة طرح أسئلة الذات والهوية والكينونة والعلاقة بالآخر” إذ تنطلق الممارسات الجنسية المركزة على الجانب الشبقي في الشخصية (رجل/ امرأة) من خلال الخضوع المطلق للسلطة الآمرة، وهي السلطة نفسها التي تنوء تحت وطأة الخزي الشبقي والمادي، مما يجعلها فاقدة لعناصر السلطة في حد ذاتها من جهة، وفاقدة لكرامتها الإنسانية من جهة ثانية.
على هذا تبدو الشخصيات جميعا في الرواية، شخصيات مكدّية تشحذ قيمة وجودها البشري من غير طائل؛ ولهذا فأمام كل علاقة بين الشخصيات الروائية تلك، علينا أن نفترض وجود شخصية حقيقية وأخرى متخيلة، كما نجد ذلك في نهاية الرواية من خلال الأخبار والتقارير المصاحبة، على خلاف ما يوهمنا به البطل (الراوي) في صفحة الإهداء ” التلويح شارة للبعد للغياب. و(هنو) لم ترفع يدها أبدا.. فأي خيانة اقترفتها حينما لم تلوح من بعد؟! لها، ولبقية من عصفت بهم في طريقي، ينداح هذا البوح القذر. طارق فاضل” فعلى غير العادة لا يمثل الإهداء في هذه الرواية عتبة دخيلة، بل يمثل مرتكزا أصيلا لهيمنة سردية تتكشف لاحقا، مبدية حقها في تمرير بوحها والتدليل عليه متى شاءت ذلك، ولإخفاء ما تود إخفاءه في الوقت الذي تريد ذلك، بينما يوهمنا الكاتب/الراوي/البطل؛ أنه يروي قصص بعض الشخصيات على لسان (مرام) أثناء عملية السرد، وعلى لسان البطل الفعلي بعدّه شخصا موجودا بالفعل في نهاية السرد، لكنه يترك شيئا من الحكايات الخاصة معلقا ليتمه كيفما شاء له ضميره السردي.
الكاتب/ الراوي إذا يمارس على القارئ هيمنة سلطوية وسيلتها اللغة، تجعل دائرة الرؤية تضيق إلى حدود الزاوية التي يريد أن يحشره فيها قسرا، فهو يعيث في علاقات الشخصيات بنفسها وبالآخر خبط عشواء؛ حيث تنتفي كل القيم لمصلحة الذات العابثة بمصيرها، في سبيل الحصول على وجاهة مادية عبر العبودية الخاضعة لسلطة الجسد ” إن الأدب في جوهره بحث عن “الآخر”، وهو مصطلح استخدم بطريقة مبتذلة وقاسية، بحيث فقد معناه الأصلي، ولم يعد يتعلق بالاختلاف الواقعي بقدر ما أصبح يتعلق بتعيين هوية الثقافات الفرعية والأعراق البشرية، ووضع الناس ضمن فئات باتت تضيق شيئا فشيئا. وحتى إن نحينا جانبا الهاجس المسفه الحالي المتعلق بالتصحيح السياسي، وهو مبدأ يتصل بالأسئلة المريحة والأجوبة السهلة، الجاهزة، تبقى الحقيقة القائلة إنه ببساطة شيء ممل بالنسبة للسواد الأعظم من الناس أن يستمروا في القراءة، والكتابة، والتكلم عن أنفسهم. أليس هدف الكتب هو ألا تؤكد وجهات نظرنا وانحيازاتنا بل يجب أن ترتاب فيها وتجابهها؟ لماذا يقرأ الإنسان عن أشياء يعرفها مسبقا؟” لكن السؤال الأهم بالنسبة إلى هذه الرواية هل نقرأ فيها فعلا ما نعرفه مسبقا؟
هذا هو السؤال الذي لا يتورع الكاتب عن طرحه حين يوهم القارئ بلقائه بالبطل، فهل كان يبرئ نفسه من سلطة الحكاية، أم أنه كان يقحم فيها كل طرف ينتمي إلى محيط الحياة التي يجتمعون تحت لوائها؟
ولهذا وذاك، لا يخشى الكاتب وصف الفرد بالدمية المسلوبة إرادتها أمام وحشية السلطة التي تسيرها، وتلهو بها وبإنسانيتها في عبثية مبتذلة وعدمية سافلة، غير أنه في تلك الرحلة بين العالم الفعلي (الحي) والعالم المثالي (القصر) للشخصيات، يطيح بفلسفة الحلم ويقضي على إمكانية النجاح خارج فعل السقوط المدمر الذي تختاره الشخصيات في رحلة بحثها عن الضوء تباعا، لتتحول باستمرار إلى كائنات مشوهة ذنبها الوحيد أنها تجرأت على الحلم، أو لعل ذنبها أنها رأت طريقا واحدا للأحلام مرّ بسياراته الفارهة عبر شظفها المزمن، فأيقظ فيها شهوة حياة مؤجلة، ثم سرق منها الروح.
إن فعل التشويه السردي للشخصيات هو العنصر الذي يهيمن بشدة على روايات (عبده خال)؛ إذ لا يمكن للقارئ أن يجد شخصية مختلفة يكنّ لها التقدير أو الاحترام النقدي ” الرجال كالجياد التي تدخل مضمار السبق.. لا تفرق بين أرض تركض عليها وأرض تفوز فيها، فكل الأمكنة عندها هي ميدان للركض والحمحمة ” لكن الجديد بالنسبة إلى هذا الطرح، هو علامة على قدرة الأحداث على اختراع المختلف في الفكر العربي، وفي الممارسة الواقعية للفعل البشري وللعلاقة بين الأنا والآخر، ليس مهما بعد ذلك أن يكاشفك الكاتب ببعض الآراء، التي تعتمل في ضمير الشخصية بين الحين والآخر دليلا على إنسانيتها المخبوءة بين مخالب الانحراف، لأن القارئ يكون قد التزم موضوعيا بتتبع مسار الشخصية عبر أفعالها المتحققة خلال تنامي الحدث السردي، وصولا إلى صدمة النهاية التي تعود إلى ترسيخ الأحداث في الذهن من خلال ومضتين؛ إحداهما: تتبدى من داخل الحدث السردي أثناء تكشف الإثم الجلل للبطل؛ كونه كان يعاشر أخته (مرام)، والثانية: من خلال قلب الرواية رأسا على عقب بإعادة تشكيل البداية من جديد على لسان البطل للمرة الثانية، ولكن من خلال الإيهام بالواقع أو بإعادة تشكيل الخيال، فما هو الحدث الأكثر صدما هنا، هل هو احتمال واقعية الحدث السردي أم خياليته؟

أنساق العبودية:
في كل مرة يصادف فيها الناقد العربي رواية جديرة بالاهتمام، تتربع الحرية على عرش الكائن والممكن فيها ” وعندما ضاعف لهم جرعة الأخبار عما يحدث في دهاليز الدولة من خبايا – تذهب بسامعها قبل قائلها إلى أبعد من الشمس – توجسوا خيفة وبدأوا يتهربون منه ولا يدعونه إلى مجالسهم. لم تكن أخبار البلد تجري على الألسن بطلاقة، فالتكتم والحذر أمران محببان في تناقل الأخبار السياسية تحديدا، وكلما تمادى الشخص في إعلان رأيه أو نقل خبرا حساسا ظنوا به الظنون… لهذا حسبوه مخبرا سريا قدم للحارة من أجل تلقط أخبار عن المعارضين للوجود الأمريكي وكتابة تقارير لمن يهمه الأمر…” وهنا يسيطر نسق العبودية بشكل ملفت للانتباه، وفي كل هذا تلعب الحرب دور السمسار الأول والأكبر في المتاجرة بالبشر وبأحلامهم وبإنسانيتهم بشكل مجمل، بكائية سردية لا تنفك تسيطر على وعي الكاتب والقارئ العربي لكنها لا تتجاوز زمن السرد، والغريب أن النقد لا ينفك يشير صاغرا إلى أنها روايات ثورية، لكنها ثورات تقمع نفسها داخل الحدث الروائي لتتحرر من كل ما يربطها بتلك الأفكار خارج زمن الكتابة، أو خارج الممارسات الذكورية لفعل الكتابة عبر فعل الحياة ” إن فعل الانغماس الجسدي في المتع الذي تمارسه الشخصيات، هو الموجه الأساس للبنيات الحكائية في النص الروائي، فهو المحرك للذاكرة والعامل الرئيس في تنشيطها وتحريكها، وهو من يعيد رسم الأمكنة وتحديد ملامحها وفق ذاكرة شبقية تماهي بينها وبين الجسد الإنساني. إن العلاقات التي تنشأ… بين الذكر والأنثى أساسها الرغبة في امتلاك الجسد/ الشهوة، وتتحكم فيها ثنائيات ضدية من أهمها (الذكورية/ الأنثوية)، (الاكتمال/ النقص)، (الحضور/ الغياب)، (مانح/ مستخدم)…” إضافة إلى أهم ما يميز هذه الرواية من خلال استخدام السيد الجسد كمنظومة استعبادية وقمعية، مبتذلة وشنيعة، رامزة ومهيمنة، أكثر منها آنية أو عابرة.
فجمالية القبح تطرح نفسها بشدة، لكنها لا تترك الأثر بالشكل الذي يسعى الناقد إلى إيضاحه فعلا، القبح بالشكل الذي يشير إليه الكاتب ليس قبحا ظاهريا يمكن التركيز على جمالياته دون أن نصاب بطلق كراهته، القبح هنا ليس صفة بل هو جوهر، يتم التأسيس له في الفكر العربي المغلوب على يقظته أينما حل وارتحل ” تساءلت مع نفسي مرارا وتكرارا ما إذا كان هجومنا الحالي على الأدب، الذي يود عدد كبير جدا من الناس أن يحسبوه شيئا لا فائدة منه ولا صلة له بالموضوع، ليس انعكاسا للرغبة في إزالة أي شيء موجع أو كريه بالنسبة لنا من المعادلة، أي شيء لا يتوافق مع مبادئنا أو يجعل الحياة سهلة وتقع ضمن حقل طاقتنا وسيطرتنا. بمعنى من المعاني، أن ننكر قيمة الأدب يعني أن ننكر قيمة الألم والمعضلة المسماة: الحياة. العمى يأتي بالأشكال كافة ” وجمالية التخييل شكل من أشكال العمى الذي يفتح شهية العين لبصيص من النور؛ وبه تصبح الرواية معضلة فكرية تفصح اللغة فيها عن نسق ثقافي ذكوري استعبادي لا فكاك منه.

الثقافة الجزائرية

شارك على
Comments (0)
Add Comment