آخر الأخبار
The news is by your side.

حكم العسكر … سرطان الشعوب  … بقلم: بروف أبوالقاسم سيف الدين

حكم العسكر … سرطان الشعوب  … بقلم: بروف أبوالقاسم سيف الدين 

دأب المجتمع الدولي يتحدث بقلق عن الإرهاب الذي باتت تعاني منه مناطق واسعة في جميع أنحاء الكرة الأرضية، والذي تسبب في إزهاق الأرواح وتشرد البشر بالملايين، خاصة كبار السن والنساء والأطفال. والتطرف يعني، ببساطة، تمسك فرد أوجماعة بمسلك سياسي أو ديني معين وتسعى إلى فرض ذلك المسلك على الآخرين وإقصائهم، فى بلد أو نطاق محدد، بجبروت السلطة أو بقوة السلاح، مثل الذي يحدث على شعب الروهينقا في بورما الآن، مما يعني الحرمان من الحياة أوالتعذيب وقتل المواطنين وتشريدهم فرادى أو جماعات. والمتطرف هو الشخص غير الملتزم بالمباديء الإجتماعية التي تتمسك بها غالبية الشعوب وتحكم سلوك الأفراد تجاه بعضهم البعض، أي تجاه المجتمع. وبذلك يصبح المتطرف إرهابيا وغير مراع للضوابط الإخلاقية والقانونية التي تعارف الناس على إتباعها، للحفاظ على السلم والأمن والإستقرار الإجتماعي والإقتصادي. ويندرج فساد الحكم وسوء إستعمال السلطة في إطار التطرف والإرهاب، بممارسة القمع ومصادرة الحريات، بحيث تمتد يد الفئة الحاكمة إلى العبث بمصائرالأمة ومقدراتها دون أن يستطيع الشعب المقهور أو الطائفة المستهدفة من كبح جماحه والحفاظ على نسيجه الإجتماعي، مثل ما يحدث الآن للشعب السوداني ولطائفة مسلمي الروهينقا في بورما.
كانت الطائفية السياسية أول العابثين بمقدرات الشعب السوداني، خلال توليها السلطة في باكورة سني إستقلاله، (1956- 1958)، بممارسة المحسوبية والمحاباة العرقية والجهوية، تحت حماية زعامات الطائفية الدينية التي أوهمت البسطاء بالصلاح الديني، فمنحها الناخبون التفويض للحكم عبر الأغلبية البرلمانية. وعندما عجزت الطائفية السياسية العابثة عن تثبيت أقدامها في كراسي الحكم، رمت به جثة هامدة في أحضان العسكر، ليتولى السلطة الفريق/إبراهيم عبود وطاقمه من الجنرالات، الذين مارسوا كل صنوف القمع والإرهاب لست سنوات، بإسم “الثورة” (1958- 1964). عادت الطائفية السياسية بعد أن تمكنت من سرقة ثورة أكتوبر 1964 المجيدة، من حكومة سر الختم الخليفة المؤقتة، لتعيد الكرة في العبث بمقدرات الأمة تحت ستار الديمقراطية، (1964- 1969)، أطاح بها العقيد (آنذاك)، جعفر محمد النميري، الذي تقلد رتبة عسكرية غير مستحقة، (مشير)، وتبوأ القمة على رأس نظامه الدكتاتوري”ثورة مايو”، إيذانا بميلاد حكم عسكري قمعي فاسد، ليحكم البلاد للفترة (1969- 1985). عادت الطائفية السياسية من جديد بعد حكم عسكري قصير، ترأسه المشير عبد الرحمن سوار الدهب، (1985 – 1986)، وحكومة مدنية برئاسة د. الجزولي دفع الله، لتمارس الفساد السياسى، بعد سرقة ثورة الشعب التي إندلعت في إبريل 1985، ورمت بنظام النميري إلى مزبلة التاريخ. ثم أتت الأقدار بنظام أكثر فسادا من الأحزاب، أتى زاحفا بليل على ظهور الدبابات، وسمى نفسه “ثورة الإنقاذ الوطني”، ليجثم الحكم العسكري الذي تخصص في الفساد ونهب الثروات على صدر الشعب السوداني طوال ثلاثين عاما، (1989- 2019). وقبل أن تتماثل ثورة الشعب العملاقة للنضوج وعودة الحق الشرعي في الحكم إلي أهله، إنبرى له نبت مجهول الهوية، سمى ب”المجلس العسكري”، ليقحم الثوار هذه المرة في دوامة من المغالطة بأحقيته في الحكم، وكأنما كان الحكم ميراثا للعسكر وليس حقا للشعب.
وقد نسي أو تناسى العسكر أن الشعب أراد الحياة، عندما هب وإنتفض، ولا بد عندئذ للبندقية أن تنكسر ليعود الحق إلى أهله كاملا وغير منقوص، وليس على نمط قسمة “الكيكة”، كما يتخيل البرهان وطاقمه من الجنرالات، الذين إرتووا من بنات أفكار معلمهم المخلوع عمر البشير. إن التربية العسكرية السليمة، كما نعلم، تدعو من بين أشياء أخرى، إلى شحذ همم الجنود بحب الوطن وشعبه والحفاظ على مقدراته، لا أن يقتل الشعب ويتسلط عليه ثم يسرق ثرواته، كما فعل البشير. ومما يؤسف له حقا أن تربية العسكر النقيضة التي تسود حاليا في الجيش السوداني هي من صنع الطائفية السياسية، التي عجزت عن الإتيان بحكم رشيد لمصلحة الشعب، فلجأت إلى الإستعانة بالعسكر، حفاظا على ماء وجهها من لائمة الفشل. وأمام ذلك الضعف وجد العسكر السلطة وموارد البلاد منسابة بين أيديهم، يفعلون بها ما شاءوا دون خوف من المحاسبة، ففصلوا لأنفسهم رتبا رفيعة وبأعداد مذهلة وسلطات مطلقة، قل أن يتواجد لها مثيل أو نظير في أكبر جيوش العالم، فضاقت عنها مواعين الجيش السوداني. ولم يجد الجنرالات عملا غير الإنقضاض على الحكم بقوة السلاح لملء الفراغ الذي يعيشون فيه، بعد إبادة المواطنين في مختلف أرجاء السودان بالوسائل القمعية البشعة التي تدربوا عليها، ليبقى الشعب السوداني فريسة مستدامة لأطماعهم.
ومن خلال حكم العسكر المتكرر، ضاعت موارد الدولة وهيبتها، لأن الممسكين بزمام الأمر بات شغلهم الشاغل هوتثبيت أقدامهم في السلطة والإستحواذ على المنافع، دون أن يحاسبهم ضمير عن إحتياجات الشعب في المأكل والمشرب، ناهيك عن التعليم والصحة وكل الخدمات التي هوت إلى الدرك الأسفل، مقارنة بالدول من حولنا، والتي لا تملك قدرا يماثل ثروات السودان من الموارد الطبيعية. وعلى النقيض تتقدم الدول النديدة والفقيرة في الموارد إلى الأمام، بينما يكابد الشعب السوداني شظف العيش وتقتله الأمرض المستعصية وغير المستعصية وتلفه الأمية من كل جانب دون مبرر. وكان الواجب يحتم على العسكر، وسدنة الطائفية السياسية معا، الذين يتمشدقون بحب الوطن ويدعون المحافظة على شعبه وإرثه التراثي دون مصداقية، أن يدركوا أن الحكم الرشيد بعيد كل البعد عن إصدار التعليمات والأوامر من فوهة البندقية، أو إطلاق أحلام اليقظة بالدخول إلى الجنة زمرا، ولكن بالعلم والمعرفة والإمتثال إلى رغبات الشعب، المالك الشرعي لأرض السودان وسلطتة والمعلم القدير لحفظ نسيجه الإجتماعي من عبث هواة الحكم ومرضى السلطة .

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.