صحفيو المؤتمر الصحفي!! … بقلم: سيف الدولة حمدناالله
صحفيو المؤتمر الصحفي!! … بقلم: سيف الدولة حمدناالله
بالتجربة، في كل دول العالم الثالث ليس من المنتظر أن يخرج صحفي أو محاور تلفزيوني بإجابة شافية وواضحة من مسؤول بمقام رئيس أو حتى وزير، وكلما بدى سؤال الصحفي في ظاهره قوي ومليان، كلما شعر المسؤول بالراحة والاطمئنان وأجاب عليه في نصف جملة، ثم بعد ذلك يومئ برأسه لمضيفه بما يعني أن الاجابة قد خلصت، وقد استدللت مرة في توضيح هذا المعنى بالسؤال القنبلة الذي كان قد طرحه الصحفي الكبير عماد أديب على العقيد القذافي في لقاء تلفزيوني، سأل أديب القذافي: لماذا تحتفظ بمنصب رئيس الجمهورية لأكثر من خمسة وثلاثين سنة خلافاً لما تقتضيه سنة الحياة بضرورة تغيير دماء الحكم كما يحدث في البلاد المتقدمة؟
إعتدل القذافي في جلسته ثم رفع بصره إلى سقف الحجرة وقال: ومن قال لك أنني أحكم ليبيا الآن؟ لقد قمت بتسليم الحكم للجان الشعبية منذ 1970 بعد عام من قيام ثورة الفاتح من سبتمبر، ومنذ ذلك الحين والشعب يحكم نفسه بنفسه وأنا مجرد قائد للثورة. وهذه، في مجملها نفس إجابة رئيسنا المخلوع على الطاهر التوم عندما سأله عن ثروته وعقاراته، فأجابه البشير بما معناه أنه شخص مسكين وعلى باب الله حتى أنه اضطر لزيادة دخله بزراعة المحاصيل والفواكه.
في المؤتمر الصحفي الذي عقده جنرالات المجلس العسكري أمس، كانت الأسئلة، فيما عدا القليل منها، باهتة وسطحية وتمهد للهروب من الإجابة الشافية عليها، كأن يكون السؤال، هل ينوي المجلس الاستيلاء على الحكم؟
في ضوء ما ورد، كان الواجب أن يعتمد الصحفيون على طرح الأسئلة التي يستشكل على المنصة الهروب منها بسهولة، وتخدم الغرض من طرحها حتى لو لم يتفضل الجنرالات بالإجابة عليها بالشكل المطلوب، ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر:
بالنظر إلى طلب المجلس العسكري من قوى الحرية والتغيير تقديم ما يفيد أنه مفوض عن الشعب في التفاوض نيابة عنه، من فوض أعضاء المجلس العسكري لينوب عن القوات المسلحة؟
يقول المجلس أنه يواصل عمله في اعتقال رموز النظام والاسماء ذات الصلة بقضايا الثراء المرتبط به، فلماذا سمح بمغادرة اسماء معروفة للبلاد قبل أن يجري معها التحقيق؟
ما صحة حصول المجلس العسكري على ودائع مالية من السعودية ودولة الإمارات؟ وكم يبلغ مقدارها؟ وما هي أوجه صرفها؟
ماهي أسباب زيارة طه عثمان للسودان؟ ولماذا لم يتم التحفظ عليه للتحقيق معه فيما كشف عن استيلائه على أموال حكومية؟
لماذا لم يتم القبض على الفريق صلاح قوش؟
لماذا لم يمارس المجلس سلطاته التي عزل بموجبها عدد من المسؤولين بوزارة الخارجية والإعلام ولم يقوم بعزل السفراء والوكلاء ومدراء المصالح الحكومية والمؤسسات ورؤساء شركات الاتصالات ومدراء البنوك وكلهم من أبناء المؤتمر الوطني؟
لماذا استبق المجلس الإتفاق على مستويات الحكم وقام بتعيين رئيس القضاء الجديد؟ وما هو المعيار الذي اعتمده في تعيين رئيس القضاء الجديد وهو نائب الرئيس السابق وكلاهما من مرجعية واحدة؟ ومن أين استمد المجلس العسكري سلطاته في هذا التعيين؟
ما هي الجهة التي تقوم بترشيح الأشخاص الذين أسندت لهم الوظائف التي مارس المجلس فيها سلطة التعيين؟
الذي ساعد في عدم طرح مثل هذه الأسئلة، أن المجلس العسكري كان قد صعد إلى المنصة وفي يده قائمة بأسماء الصحفيين الذين اختارهم لطرح الأسئلة، ومعظمهم، سوى قليلين، ينتمون للصحف والمؤسسات الموالية للنظام أو من الوجوه التي ارتبطت به، ولم يشارك أكثر الصحفيين المقتدرين بحضور المؤتمر.
على أية حال، يمكن وصف ما جرى بالمؤتمر الصحفي أن المجلس العسكري قد أعلن من خلاله الإنقلاب على النظام الديموقراطي وهو لا يزال جنيناً تحت الولادة. وهناك خياران، إما أن تستبق قوى الحرية والتغيير المجلس العسكري وتعلن من جانبها تشكيل الحكومة في كل مستوياتها، أو دعوة الشعب للنزول للشارع من جديد لإسقاط نظام قرين الإنقاذ قبل أن يشتد عوده وتلزمنا ثلاثون سنة أخرى لإسقاطه، ولا تغرنكم الملايين التي خرجت في ثورة أبريل الثانية، ذلك أن الشاحنة حينما تتوقف، يستطيع قالب طوب منعها من الحركة.
ليس هناك مرتجى من محاورة المجلس العسكري.
![]()