ذكورية القمع.. وأنثوية الثورة .. (كنداكات).. يكتبن تفاصيل الثورة على الجنرال
ذكورية القمع.. وأنثوية الثورة .. (كنداكات).. يكتبن تفاصيل الثورة على الجنرال
بقلم: ماجد القوني
التأريخ رجل على المستوى السياقي لتقسيمات اللغة بين دفتي الذكورة والأنوثة.. ودرج الرجل على تخليد ذكرى أحداث تخصه مع هامش ضئيل للمرأة التي تقف خلف العظماء منهم، ثورة ديسمبر السودانية تثبت مرة أخرى أن المرأة مازالت تقود التغيير وتنحت اسمها في جدار بأحرف من نور، المتتبع لسيرورة التأريخ السوداني وثوراته يجد أن المرأة شكلت حضوراً لافتاً، مقارنة برفيقاته على المستوى الاقليمي والدولي، بداية من صراع المهدية مع التركية، والنضال ضد المستعمر الانجليزي، ودكتاتورية عبود ونميري وأخيراً البشير.
ثورة ديسمبر
لثورة ديسمبر خصوصية تنبع من الحضور اللافت للمرأة السودانية، بالرغم من وجود كثير من المفاهيم والمقولات (السودانوية) التي مازالت تُكبل المرأة التواقة للحرية، والتي تعرضت لأقسى أنواع الأرهاب الجسدي واللفظي من أفراد أجهزة الأمن خلال أشهر الثورة، وجود المرأة لم يكن مسانداً للرجل بل كان متقدماً عليه، (الزغرودة) لم تكن محض اشعار بأن وقت الثورة قد حان.. لتنطلق أيها الرجل، لكن تقدمت المرأة المسيرات والمواكب تعرضت للاعتقال والضرب، وتم استهدافهن بصورة مباشرة من قِبل الأجهزة الأمنية، لكن استطعن قهر كل مخاوفهن وتتويجه بموكب السادس من أبريل حيث تجاوزت اعدادهن الرجال.. ملحمة السادس من أبريل كن وقودها.. مئات الفتيات في أول موكب قبالة بيت الضيافة، (زغاريدهن) أمام بوابات القيادة العامة أعلنت سقوط النظام قبل أن تعلنه قيادة الجيش.. وليس هناك أقسى على الرجل السوداني من هتاف امرأة تطلب منه الثبات، وللحصول على (زغرودة) يتسابق الشباب لالتقاط علبة (البمبان) والوقوف أمام الرصاص..
الكنداكات
(قنداقة وكنداكة) لقب الملكات الحاكمات أو مسمى يعني الزوجة الملكية الأولى في حضارة كوش الإفريقية القديمة ببلاد السودان، اطلاق لقب (الكنداكات) على الثائرات لم يأتِ من خارج أُطر الوعي بالتأريخ السوداني، وليست مجرد مقاربة شكلانية للتوائم مع السياق الثوري، فمن خلال حضورهن وصمودهن استطعن استعادة سطوة المرأة السودانية والفترة الموغلة في القِدم من تأريخ السودان حيث كانت (الكنداكات) في مملكة كوش هن الملكات المحاربات وقاهرات الأعداء، ولعل أجهزة الأمن الانقاذي وعت مؤخراً لخطورة الدور الذي تلعبه المرأة في ثورة ديسمبر، لذا لم يكن مستغرباً أن تأتي تجريدات فقط لاعتقال الفتيات قبل انطلاق (الزغرودة) بنصف ساعة.
الجندر
كثيراً من قضايا الجندر أُثيرت خلال أشهر الثورة السودانية، بعضها حُسم فعلياً على مستوى ميادين الثورة، من يتقدم..؟ ومن يكون بالخلف..؟ لم يكن هنالك متسع للتفاكر حول كونها أنثى أو رجل، الوقت للثورة أنها تفعل كل ما يفعله الرجل، تهتف في وجه الظلم وتُعتقل وتُضرب كرجل أُسر في معركة ما، تتلقف (البمبان) وتعيده لأصحابه مع خالص الكراهية، تعدو بكامل قوتها للهروب من (التاتشر) ليس جبناً بل لأن وجودها في الخارج أكثر فائدة لما تبقى من ثورة، يُقص شعرها العزيز على نفسها وتخرج، تُكسر يدها وتعتقل وتصرُ على المضي.. تخاطب من يقفون على الرصيف أثناء لحظات الصمت المُطبق، تتحدى الأسود في وقفتها أمام أجهزة القمع المدججة بالأسلحة والعصي والهراوات.. وقتها صمت المنادون برجوعها لـ(الحرملك) وأُخرست القناعات التي تقول أنها وان بقت فاس ما بتكسر الراس.. كل واحدة منهن وكأنها الكنداكة (شاناداختو) وهي ترتدي الدروع وتحمل الرمح في اثناء المعركة، وللعلم أن (الكنداكة شاناداختو) لم تحكم كملكة أو ملكة أو (ام ملك) إنما كحاكم مستقل وكان زوجها مرافقاً لها وليس ملكاً.
لجان المقاومة
اعلان تجمع المهنيين بتشكيل لجان للمقاومة، وجد صدى من شباب/ت وضعوا وقتها هم الثورة على عاتقهم، لكن اللافت كان وجود كثافة للفتيات داخل اللجان، ولم يكن من المستغرب أن تجدهن يطفن على المنازل لتعبئة الشوارع بالهتاف، وتنظيم الثوار وتوزيع الأدوار، والكتابة على الجدران بمواقيت القادم من مواكب، لجان المقاومة٦٠٪ منها من الفتيات، ومثلها من المعتقلات.. والثائرات في الشوارع.
منبرشات
قروب (منبرشات) على الفيسبوك كان الأكثر حضوراً في جادة الثورة السودانية، قدرات عالية في الرصد وتوفير المعلومة تم توجيهها لصالح الثورة السودانية في سياق (الحصة وطن) بتنسيق عال مع المصورين، مما جعل التساؤل حول وجودها وعضويتها أحد الأسئلة التي درج أفراد جهاز الأمن على طرحه للمعتقلات بغية الوصول لإدارته.. مع ذلك ظل (القروب) مستعصياً على الكشف حتى مساء الثامن عشر من أبريل، حيث عبر ساحة الاعتصام موكب مكتمل الأنثوة يحمل لافتة تشير إلى هويته بكونه (قروب منبرشات).
![]()