آخر الأخبار
The news is by your side.

الأمل يصير واقعا  … بقلم: التجانى عبد القادر حامد

الأمل يصير واقعا  … بقلم: التجانى عبد القادر حامد

كتبت فى هذه الصفحة قبل عام (نهاية ابريل 2018) عن ملامح الشباب الذى سيصنع الثورة السودانية، وقد أبديت حينها تفاؤلا بظهور الجيل الجديد من ذوى “الطاقات الايجابية”، وقلت أنه جيل يختلف نوعيا عما سبقه، وقلت انه قد تتولد عنه نخب تكون أقدر ممن سبقها فى قيادة العمل الوطنى. أما وقد صار الأمل واقعا فانى أعيد نشر المقال لعله يزيدنا ثقة بالنفس، وبشباب الثورة، ويجعلنا أكثر تفاؤلا بمستقبل الوطن، ويجنبنا شرور “الثنائيات المدمرة”.

بصيص من الأمل (30 أبريل 2018)
التقيت ذات مرة بشاب سوداني في واحدة من دول الخليج. أثار انتباهي ببشاشة ظاهرة. ولكن ما شدني اليه بصورة أكبر هو ما كان يبديه من تفاؤل. ظننت للوهلة الأولى، وبعض الظن اثم، أنه من أبناء أو أقرباء أو أصهار الشريحة المحظوظة؛ أما إن كان من غمار الناس فكيف خرج على المألوف واستطاع أن “يتفاءل” وكل من كان حولنا في المجلس يسخط ويطلق قدرا من “الطاقة السلبية”.
سألته في فضول: أين تلقيت الدراسة؟ قال: تخرجت في جامعة كردفان (الأبيض). قلت آه، ثم أردفتها سريعا ب “ما شاء الله” لكي أخفى ما انتابتني من ظنون. وانقطع الحديث برهة، ولكنه عاد ليقول شيئا قريبا من هذا: أفهم أنك تتأوه بسبب ما تسمع عن الجامعات الجديدة، وما صاحبها من قصور في النشأة وما تتلقاه من قلة في الاهتمام ورداءة في الاعلام، ولكن هذا هو ما لدينا، ولو انتظرت أنا وزملائي لحين تنتصر الثورة المرتقبة، وتنشأ الجامعات الممتازة، ويعود الأساتذة المخضرمون، لطال انتظارنا، وتبددت أعمارنا. خيارنا أن ندخل جامعة الأبيض أو كسلا أو شندي، فنأخذ أطرافا مما هو متاح من العلوم، على أيدي من هو باق من الأساتذة؛ ثم ننفتح على الفضاء العالمي، ونخوض في محركات البحث، نعلم أنفسنا بأنفسنا. وبهذه الطريقة، يقول محدثي، توسعت أفاقنا المعرفية، وتحسنت لغتنا الإنجليزية، فصرنا نكتب سيرنا الذاتية بطريقة أفضل، وندخل المعاينات الشخصية بمهنية أرقى، وننافس في أسواق العمل مثلنا مثل الآخرين.
قلت له: وهل وجدت وظيفة في هذه البيئة الخليجية التي تتكالب عليها العمالة من سيريلانكا الى سياتل؟ قال نعم، لقد حصلت على وظيفة في شركة محترمة بمدينة كذا بعد أن اجتزت عددا من المعاينات. قلت: ألم تقابلك معوقات من الجنسيات الأخرى التي يتضايق منها من سبقك من الأخوة السودانيين؟ قال: إن أكبر المعوقات هي ما يسببه لنا أخوتنا السودانيون أنفسهم بحديثهم السالب عن جامعاتنا الجديدة(المهببة!)، وعن تدنى مستوياتها. إن أكبر معوق لنا هو مثل هذه “النيران الصديقة”.
وانفض جمعنا وكأني قد ألقمت حجرا، وانقطع التواصل بيننا، ولكن تلك المحادثة زرعت في نفسي بصيصا من الأمل. أعرف بالطبع ما أصاب مؤسساتنا التعليمية، القديم منها والجديد، من تدهور، وأعرف بعض الأسباب التي قادت لذلك، إلا أن تلك المحادثة جعلتني أنظر “للمسألة السودانية” من زاوية أخرى أكثر تفاؤلا: زاوية يمثل فيها خريجو “الجامعات الجديدة” بصيصا من الامل؛ ليس لأنهم بشائر جيل جديد من حملة الشهادات وحسب، ولكن لأنهم يبشرون بظهور جيل جديد من ذوي “الطاقات الإيجابية”، جيل قد يختلف نوعيا عما سبقه من أجيال، وقد تتولد منه نخب تكون أقدر ممن سبقها في قيادة العمل الوطني.
لقد كانت جامعاتنا القديمة العريقة تفرز نخبا ممتازة بلا شك، ولكنها في غالب الأحيان نخب سياسية غارقة في الرفض؛ أقصد نخبا يمنية ويسارية غارقة في الأيديولوجيا المغلقة واليوتوبيا المستحيلة وما بينهما من هرج ومرج. نخب (مدنية وعسكرية) تنشط كثيرا في اتجاه “الانقلاب” على النظام الاجتماعي-السياسي برمته، ولكنها من بعد ذلك لا تنخرط في معركة البناء الوطني بقدر ما تنخرط في معارك “التدمير المتبادل”، إذ لا تحسن فن التصالح فيما بينها ولا الإصلاح لما حولها. فاذا تمكنت من اسقاط نظام سياسي فاسد استبدلته بما هو أفسد، فلا استطاعت أن ترمم بقايا المؤسسات العتيقة القائمة، ولا استطاعت أن تنشئ مؤسسات جديدة تقوم بها الحياة في مرحلة ما بعد الانقلاب أو ما بعد “الثورة”. نخبنا القديمة كانت لا تفرق بين “الوطن القومي” و”النظام السياسي”، فصار بعضها قابلا للتضحية بالوطن كله من أجل اسقاط النظام، وصار بعضها يضحى بالوطن كله من أجل الحفاظ على النظام. فلا النظام سقط ولا الوطن نهض. قلت في نفسي: لعل النخب الجديدة تكون أكثر جرأة في تجاوز ثنائية (علماني/اسلامي) المدمرة، وتكون أكثر حكمة وواقعية، فتسلك دروبا جديدة في الفكر والسياسة، تتحاشى التماهي مع النظام السياسي الفاسد/الفاشل ولكنها تتملك ما يوفره من إمكانات، وتتمدد فيما ينشئه من مؤسسات، وتعمل بهمة وصبر في بناء القدرات، وتشبيك العلاقات، ولا تنجر بغفلة الى “معارك” يتحكم النظام وحده في أدواتها. قلت في نفسي: لعل النخب الجديدة قد أصبحت تدرك أن “المعركة” الحقيقية ضد النظام لم تعد معركة واحدة مسلحة في الغابات النائية، على طريقة غيفارا-قرنق، بقدر ما هي سلسلة من “معارك صغرى”، ومجموعة من نجاحات جزئية على “المدى القصير”، لأننا “في المدى البعيد سنكون جميعا في عداد الأموات” كما يقول الأستاذ جون كينز، صاحب النظرية الاقتصادية المشهور. ولا قوة الا بالله.

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.